هِمَمُهم ودَواعِيهم على نقلِ ما بيّنه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من القرآنِ أَولى وأحرى ، وأن يكونَ ذلك فيهم أظهرَ وهُم به أعرفَ ، فكلُّ هذا يدل على وجوبِ حفظِ الأمّة لما نصّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على أنّه قرآنُ ، وعلى أنّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليست من جُملةِ القرآنِ فِي غيرِ المواضع التي اتفقوا عليها ، وعلى أنّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - بيّنَ كونَها قرآناً فيه وقطعَ العذر ، وهذا أيضاً أحدُ الأدلّة على أنّه لم يكن من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بيان لكون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قرآناً منزلا وفاصلاً بين السّور ولا من جُملتها
ولا من جُملة الحمد ، لأنّه لو كانَ منه بيانٌ لذلك لجرى مجرى بيانه لكوبها
قرآناً فِي سورة النمل بقوله: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(30) .
ولارتفعَ لأجلِ بيانِه لذلك الشكّ والرّيبُ عن جميع الأمّة في
كونها آيةً مفردةً فاصلةً إن كانت أو من جملة الحمد وحدَها إن كانت
كذلك ، وإن لم يكن هذا هكذا بطلت جميعُ هذه الأقاويل ، وثبتَ بما
وصفناه أنّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليست من القرآنِ إلا فِي السورة التي
يذكر فيها النملُ.
فإن قال قائلٌ: فقولوا لأجل دليلِكم هذا إنَّ المعوّذتين ليست بقرآنٍ منزلٍ
أصلاً ، وإنّ الرسولَ لم يبيّن كونَها قرآناً منزلاً بيانَه لسائرِ سورِ القرآنِ وآياته ، لأجلِ خلافِ عبدِ الله بن مسعودٍ فِي ذلك وجَحْده أن يكونا من القرآن!
قيل له: ليسَ الأمرُ عندَنا فِي جحدِ عبد الله كذلك على ما ادّعيتَ ، بل
ذلكَ كذبٌ وزور لا ينبغي لمسلمٍ أن يثبته على عبدِ الله ويُضيفه إليه بأخبارِ
آحاد غير موجِبة للعلم كلها معارَضةٌ بما هو أقوى وأثبتُ عن رجال عبدِ الله
في إثباتِها من القرآن وإقرائهم إياها ، وسنستقصي القولَ مما رُوِي عنه في