"أي خاطر يتشوف إلى أن يقول:"
{يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ...} الآية؟
"وأي لفظ يدرك هذا المضمار، وأي حكيم يهتدي إلى ما لهذا من النور، وأي فصيح يهتدي إلى هذا النظم؟ - 303."
"ثم تأمل قوله:"
{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ...}
"كل كلمة من ذلك على ما قد وصفتها، من أنه إذا رآها الإنسان فِي رسالة، كانت عينَها، أو فِي خطبةٍ كانت وجهها، أو قصيدة كانت غرة غرتها وبيت قصيدتها، كالياقوتة التي تكون فريدة العقد وعين القلادة ودرة الشذر، إذا وقع بين كلام وشَّحه، وإذا ضُمن فِي نظام زيَّنه، وإذا اعترض فِي خطاب تميز عنه وبان بحسنه منه - 304."
"أرفع طرف قلبك وأنظر بعين عقلك وراجع جلية بصيرتك، إذا تفكرت فِي كلمة كلمة مما نقلناه إليك وعرضناه عليك، ثم فيما ينتظم من الكلمات إلى أن يتكامل فصلاً وقصة، أو يتم حديثاً وسورة؛"
"لا، بل فكر فِي جميع القرآن على هذا الترتيب، وتدبره على نحو هذا التنزيل، فلم ندَّع ما ادعيناه لبعضه، ولم نصف ما وصفناه إلا فِي كلمة، وإن كانت الدلالة فِي البعض أبين وأظهر، والآية أكشف وأبهر؛"
"وإذا تأملت على ما هديناك إليه ووقفناك عليه، فانظر هل تجد وقع هذا النور فِي قلبك واشتماله على لبَّك وسريانَه فِي حسك ونفوذه فِي عروقك، وامتلاءك به إيقاناً وإحاطة، واهتداءك به إيماناً وبصيرة؟ أم هل تجد الرعب يأخذ منك مأخذه من وجه، والهزة تعمل فِي جوانبك من لون، والأريحية تستولى عليك من باب؟ وهل تجد الطرب يستفزك للِطيفِ ما فطنتَ له، والسرور يحركك من عجيب ما وقفت عليه، وتجد فِي نفسك من المعرفة التي حدثت لك عزة، وفي أعطافك ارتياحاً وهزة، وترى لك فِي الفضل تقدماً وتبريزاً وفي اليقين سبقاً وتحقيقاً، وترى بالعين التي يجب أن تلحظ بها، ومراتبهم بحيث أن ترتبها؟"