"فأما نهج القرآن ونظمه، وتأليفه ورصفه، فإن العقول تتيه فِي جهته وتحار فِي بحره وتضل دون وصفه. ونحن نذكر لك فِي تفصيل حذا ما تستدل به على الغرض وتستولي على الأمد وتصل به إلى المقصد، وتتصور إعجازه كما تتصور"
الشمس وتتيقن تناهي بلاغته كما تتيقن العجز... وأعلم أن هذا علم شريف المحل عظيم المكان قليل الطلاب ضعيف الأصحاب، ليس له عشيرة تحميه، ولا أهل عصمة تفطن لما فيه، وهو أدق من السحر وأهول من البحر وأعجب من الشعر.
"ولو لم يكن من عظم شأنه إلا أنه طبق الأرض أنواره وجلل الآفاق ضياؤه ونفذ فِي العالم حُكمُه وقُبِل فِي الدنيا رسمه، وطَمسَ ظَلام الكفر بعد أن كان مضروب الرواق ممدود الأطناب مبسوط الباع مرفوع العماد..."
فكان كما وصفه الله تعالى جل ذكره من أنه نور فقال:
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} الآية
"فأنظر إن شئت إلى شريف هذا النظم وبديع هذا التأليف وعظيم هذا الرصف، كلُّ كلمة من هذه الآية تامة، وكلُّ لفظ بديع واقع"284
وتتوقع بعد هذا أن يفرغ الباقلاني لما"تستدل به على الغرض وتستولى على الأمد وتتصور إعجاز النظم القرآني كما تتصور الشمس".
فإذا به يستأنف نقل النصوص الطوال من شعر البحتري وأبي نواس وابن الرومي وأبي تمام وابن المعتز وأبي فراس، ومختارات من نثر الجاحظ وابن العميد...
ليقول إن هذا كله مما يمكن أن يوازي بغيره أو يعارض، احتجاجاً لما ذكره قبل هذه الصفحات المئات، من أن نظم القرآن: