قال فِي مقدمة رسالته (الشافية) :
"معلوم أن سبيل الكلام سبيل ما يدخله التفاصيل ، وأن للتفاضل فيه غايات ينأى بعضها عن بعض ، ومنازل يعلو بعضها بعضاً ، وأن عِلْمَ ذلك علمٌ يخص أهله ، وأن الأصل والقدوة فيه العرب - فِي لسانهم - ومن عداهم تبع لهم وقاصر فيه عنهم ، وأنه لا يجوز أن يُدَّعَى للمتأخرين من الخطباء والبلغاء عن زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - ، الذي نزل فيه الوحي وكان فيه"
التحدي ، أنهم زادوا على أولئك الأولين أو كملوا فِي علم البلاغة أو تعاطيها لما لم يكملوا له ...
"هذا خالد بن صفوان يقول: كيف نجاريهم وإنما نحكيهم ؟ أم كيف نسابقهم وإنما نجري على ما سبق إلينا من أعراقهم ؟ ..."
"والأمر فِي ذلك أظهر من أن يخفى أو ينكره إلا جاهل أو معاند ، وإذ ثبت أنهم الأصل والقدوة ، فَبِنَا أن ننظر فِي دلائل أحوالهم وأقوالهم حين تُلى عليهم القرآن وتُحدوا إليه وملئت مسامعهم من المطالبة بأن يأتوا بمثله ومن التقريع بالعجز عنه ، وبُتَّ الحكم بأنهم لا يستطيعونه ولا يقدرون عليه".
وما من شك فِي أن عجز البلغاء من العصر الأول ، عن معارضة القرآن ، وفيهم أصل الفصاحة ، برهان قاطع فِي قضية التحدي ، فحين نقول إنها حَسمت فِي عصر المبعث ، فلا يمكن بحال ما أن تُحمل هذا القول على مظنة اختصاص إعجازه بعصر المبعث دون سائر الأعصار ، وإنما معناه أن من هم أصل العربية ، لغة القرآن ، هم الذين يُفترض أن يواجَهوا بالتحدي ، لما يملكون من أسرار لغتهم التي نزل بها الكتاب العربي المبين. فاختصاصهم بالتحدي جاء من كونهم أهل الاختصاص بالعربية لغة القرآن ، وقد حسمها عجزهم عن أن يأتوا بسورة من مثله ، والمعجزة"على الأيام باقية وعلى الدهور والأزمان ثابتة"كما قال الإمام الطبري فِي مقدمة تفسيره.
وجوه الإعجاز والبيان القرآني