فاتحة:
لولا نسب لي فِي الشيوخ عريق، لتهيبت التصدى لهذا الموضوع الدقيق
الصعب الذي توارد عليه أئمة من علماء السلف أفنوا أعمارهم فِي خدمة
القرآن الكريم، وقدموا إلى المكتبة الإسلامية ثمار جهودهم السخية الباذلة.
ولولا ما أعلم من مكانة جليلة للمرأة المسلمة فِي تاريخنا، لأحجمت عن
التقدم إلى هذا الميدان الجليل، إشفاقا من أن يُنكر مكاني فيه...
مع الكتاب المعجزة عشت عمرى كله، وفي المدرسة القرآنية كانت تلمذتي
الطويلة التي تولاها أبي فِي مراحلها الأولى. وإليها انتهى تخصصى فِي الدراسة
-العليا التي وجهنى إليها أستاذى الإمام"أمين الخولى"، وظل لمدى ثلث قرن
يقود خطاي على الطريق الشاق، ويحمينى من عثرة الرأي ومزالق التأويل
وسطحية النظر، ويأخذني بضوابط منهجه الدقيق الصارم الذي لا يجيز لنا أن
نفسر كلمة من كلمات الله تعالى دون استقراء لمواضع ورودها بمختلف صيغها فِي الكتاب المحكم، ولا أن نتناول موضوغا قرآنيا أوظاهرة من ظواهره
الأسلوبية، دون اسيعاب لنظائرها وتدبر سياقها الخاص فِي الآية والسورة،
وسياقها العام فِي القرآن كله.
وقد شغلتني قضية الإعجار البياني دون أن أتجه إليها قصدا: فأثناء اشتغالى
بالتفسير البياني والدراسات القرآنية، تجلى لي من أسراره الباهرة ما لفتنى إلى
موقف العرب الأصلاء من المعجزة القرآنية فِي عصر المبعث، ووجهنى إلى
محاولة منهجية فِي فهم عجزهم عن الإتيان بسورة من مثل هذا القرآن، وقد
تحداهم أن يفعلوا، والعربية لغته ولغتهم، والبيان طوع ألسنتهم.
وهم لا ريب قد أدركوا من أسرار إعجازه البياني، ما أياسهم من محاولة الإتيان بلفظ يقوم مقام اللفظ منه، أو أن يأتوا بآية على غير الوجه الذي جاءت به فِي البيان المعجز...
وهذا هو مجال المحاولة المتواضعة التي أقدمها اليوم فِي فهم إعجاز البيان