(وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ(48)
ذكر الزمخشري والجمل: تجزي ضمن معنى تقضي أو تغني.
وذكر الآلوسي: لا تنوب عنها ولا تحتمل عما أصابها. (لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ) والجزاء ما فيه الكفاية من المقابلة.
قال السيوطي: (عن) معناها البدل. وقرأ أبو السمَّال: لا تجزئ: من أجزأ عنه إذا أغنى عنه. فهو لازم و (شيئا) مفعول مطلق.
أقول: مشهد عاصف وخطير كما يرسمه التعبير القرآني، مشهد مرهوب انقطعت فيه أواصر الرحم والنسب، من والد وولد، وقريب وحبيب وسند.
غربة نفسية موحشة وهائلة، مقطوعة عن كل أحد، عاجزة عن كل شيء ، ليس لها إلا ما قدمت من عمل. ويختتم المشهد: بأن وعد اللَّه حق. ويقطف الثمرة: (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) .
فتضمين (تجزي) معنى (تُغني) أو (تنوب) ، إقرار لمبدأ التبعة الفردية القائم على العدل المطلق، يوقظ الضمير ويشحذ الهمم للعمل، فلا شفاعة يؤمئذ ولا فدية إلا التقوى، وما تقدمه من صالح العمل، وكلا الفعلين المضمن والمضمن فيه يصدر من مشكاة واحدة.
ولو جاء التعبير القرآني ولا مولود عن والده لظهر المراد، ولكن إعادة الجزاء (هُوَ جَازٍ) فيه زيادة تقرير وبيان وَوِكادة رسوخٍ في التشهير بالإعلان عن مبدأ المسؤولية الفردية، لتكون الحجة على صاحبها أنور وأبهر وأقوى وأقهر.
وحين يتعدى الفعل بالباء فإنه يتضمن معنى المكافأة. وهكذا يتضمن الجزاء: معنى الغَنَاء، أو معنى المناب، أو معنى المكافأة حسب سياقه والحرف المتعدي به، فوقوع الفعل في سياقه الذي يستدعيه يفتح عن رصيده المذخور وإيحائه المتجدد، ولا يكاد يحيط بمدلول معاني الأفعال في هذه اللغة الشريفة وإدراك مطالبها مَن لم يألف مذاهب أصحابها. كل فعل زهرة، وكل زهرة ابتسامة تحتها سر دفين ...
(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(76)
حكى أبو حيان: الأوْلى أن يضمن فعل (خلا) معنى فعل يتعدى بـ (إلى) أي (انضوى واستكان) لأن تضمين الأفعال أوْلى من تضمين الحروف.