المؤمن يتصرف في النور والمنافق حريص على العَتَمَة، يتصرف خفاءً لئلا يراه أحد يهْتبل خلوةَ لِيَضْوى إلى شياطينه يَخلُص إليهم، وتسكن روحه وتطمئن وبهذا يُخفى قبحه ويستر جريمته، لأن أحداً لا يرضى عن عمله ... أرأيت كم في (إلى) مع فعل (خلا) من إعجاز! إنه التضمين وإنه لكنز دفين، يومئ ولا يُبيح، يُلمح ولا يُصرح، يُكِنُ ولا يُعْلِن، يُخافت ولا يجهر.
سلسل قليلا إنما ... سرعان ما يتمنَّعُ
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ...(26)
أقول: لعل المراد من عدم الاستحياء هنا الكرم والفضيلة والتي تمنع من الوقوع فيما يعاب كما قال ابن جزي، وليس الذل والانكسار كما قال الجمل، ولا الترك اللازم للانقباض كما قال الآلوسي.
فاللَّه من كرمه وفضله على عباده لا يمسك عن ضرب المثل بالبعوضة والنملة والعنكبوت لما فيها من حكمة، وما وراءها من بيان للناس وفائدة، فجاء تضمين (استحى) معنى (أمسك) والمتعدي بـ عن، و (أَنْ يَضْرِبَ) منصوب على نزع الخافض، ويبقى (أمسك) أسد من (امتنع) كما قال الآلوسي
لأن الامتناع يوحي بحائل على اللَّه - حاشاه سبحانه أن يحول دونه حائل - جاء التضمين ليدل على جميل إحسان اللَّه على عباده بتفهيمهم وسائل الإيضاح هذه تبصيرا لهم وتنويرا. والعبرة في الصغير - بعوضة - كالعبرة في الكبير - السماوات والأرض - .
لم جاء التعبير بلفظ الاستحياء ولم يرد بلفظ الإمساك؟ لعل في لفظ الاستحياء تطمينا لقلوب المؤمنين وإدخال الأنس إلى نفوسهم بأن ربهم حيي كريم يعرفهم على نفسه بصفاته ويضرب لهم الأمثال تطمينا لقلوبهم بما عرفوا من حكمته في كل ما يصدر عنه، ولا يعاب على ما مِنْ شأنه الاستحياء من ذكره وإغاظة لأعدائهم من منافقين ويهود ومشركين - حَمَلة التشكيك في المدينة المنورة - وإنهم لا يعرفون الأدب مع الخالق ولا
يرجون له الوقار في طرح السؤال: ماذا أراد اللَّه ... باشتمال علمه على المصلحة أو المفسدة كما قال الحسن البصري ويأتي الجواب صاعقة على رؤوسهم: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا) . وكالندى على قلوب المؤمنين: (وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) .
وما كنا لنقف على هذه اللطائف السنية لولا التضمين، يزيل اللبس ويهدي السبيل، لائح كالنجم لا يغيب عن رائيه.