وَقَدْ أَطْلَقُوا عَلَيْهِ لَفْظَ الأب فكذا هاهنا.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ إِنَّمَا يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا لَوْ دَلَّ دَلِيلٌ بَاهِرٌ عَلَى أَنَّ وَالِدَ إِبْرَاهِيمَ مَا كَانَ اسْمُهُ آزَرَ وَهَذَا الدَّلِيلُ لَمْ يُوجَدِ ألْبَتَّةَ، فَأَيُّ حَاجَةٍ تَحْمِلُنَا عَلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ، وَالدَّلِيلُ الْقَوِيُّ عَلَى صِحَّةِ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ، أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ كَانُوا فِي غَايَةِ الْحِرْصِ عَلَى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَإِظْهَارِ بُغْضِهِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا النَّسَبُ كَذِبًا لَامْتَنَعَ فِي الْعَادَةِ سُكُوتُهُمْ عَنْ تَكْذِيبِهِ وَحَيْثُ لَمْ يُكَذِّبُوهُ عَلِمْنَا أَنَّ هَذَا النَّسَبَ صَحِيحٌ واللَّه أَعْلَمُ.
(وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ(75)
لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذِهِ الْإِرَاءَةُ قَدْ حَصَلَتْ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ الزَّمَانِ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: وَكَذَلِكَ أَرَيْنَا إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات وَالْأَرْضِ، فَلِمَ عَدَلَ عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ إِلَى قَوْلِهِ وَكَذلِكَ نُرِي؟
قُلْنَا: الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ يَكُونَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ، وَكَذَلِكَ كنا نرى إبراهيم ملكوت السماوات وَالْأَرْضِ، فَيَكُونُ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ عَنِ الْمَاضِي.
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ شَافَهَ أَبَاهُ الْكَلَامَ الْخَشِنَ تَعَصُّبًا لِلدِّينِ الْحَقِّ.
فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَكَيْفَ بَلَغَ إِبْرَاهِيمُ هَذَا الْمَبْلَغَ الْعَظِيمَ فِي قُوَّةِ الدِّينِ، فَأُجِيبَ بِأَنَّا كنا نريه ملكوت السماوات وَالْأَرْضِ مِنْ وَقْتِ طُفُولِيَّتِهِ لِأَجْلِ أَنْ يَصِيرَ مِنَ الْمُوقِنِينَ زَمَانَ بُلُوغِهِ.