والمقام الرابع: مناظرته مع الكفارة بِالْفِعْلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ) [الْأَنْبِيَاءِ: 58] ثُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ قَالُوا: (حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ) [الْأَنْبِيَاءِ: 68] ثُمَّ إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ بَذَلَ وَلَدَهُ فَقَالَ: (إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) [الصَّافَّاتِ: 102] فَعِنْدَ هَذَا ثَبَتَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مِنَ الْفِتْيَانِ، لِأَنَّهُ سَلَّمَ قَلْبَهُ لِلْعِرْفَانِ وَلِسَانَهُ لِلْبُرْهَانِ وَبَدَنَهُ لِلنِّيرَانِ وَوَلَدَهُ لِلْقُرْبَانِ وَمَالَهُ لِلضِّيفَانِ، ثُمَّ إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَأَلَ رَبَّهُ فَقَالَ: (وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) [الشُّعَرَاءِ: 84] فَوَجَبَ فِي كَرَمِ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ يُجِيبُ دُعَاءَهُ وَيُحَقِّقُ مَطْلُوبَهُ فِي هَذَا السُّؤَالِ، فَلَا جَرَمَ أَجَابَ دُعَاءَهُ، وَقَبِلَ نِدَاءَهُ وَجَعْلَهُ مَقْبُولًا لِجَمِيعِ الْفِرَقِ وَالطَّوَائِفِ إِلَى قِيَامِ الْقِيَامَةِ، وَلَمَّا كَانَ الْعَرَبُ مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِهِ لَا جَرَمَ جَعَلَ اللَّه تَعَالَى مُنَاظَرَتَهُ مَعَ قَوْمِهِ حُجَّةً عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ.
* ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْمَ وَالِدِ إِبْرَاهِيمَ هُوَ آزَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ اسْمُهُ تَارَحُ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: لَا خِلَافَ بَيْنَ النَّسَّابِينَ أَنَّ اسْمَهُ تَارَحُ، وَمِنَ الْمُلْحِدَةِ مَنْ جَعَلَ هَذَا طَعْنًا فِي الْقُرْآنِ.
وَقَالَ هذا النسب خطأ وليس بصواب، وللعلماء هاهنا مَقَامَانِ: الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: أَنَّ اسْمَ وَالِدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ آزَرُ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ أَجْمَعَ النَّسَّابُونَ عَلَى أَنَّ اسْمَهُ كَانَ تَارَحَ.
فَنَقُولُ هَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ إِنَّمَا حَصَلَ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يُقَلِّدُ بَعْضًا، وَبِالْآخِرَةِ يَرْجِعُ ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ إِلَى قَوْلِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ مِثْلُ قَوْلِ وَهْبٍ وَكَعْبٍ وَغَيْرِهِمَا، وَرُبَّمَا تَعَلَّقُوا بِمَا يَجِدُونَهُ مِنْ أَخْبَارِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ فِي مُقَابَلَةِ صَرِيحِ الْقُرْآنِ.