نزلَ القرآنُ ، فإنكم لا تسألون عن شيء ٍ إلا وجدتم تبيانَهُ.
ومعنى هذا: أنَّ جميعَ ما يحتاجُ إليه المسلمونَ في دينهم لا بدَّ أن يُبينه اللَّهُ في كتابِهِ العزيزِ ،
ويبلِّغُ ذلكَ رسولُهُ عنه ، فلا حاجةَ بعد هذا لأحدٍ في السؤال ، فإنَّ اللَّهَ تعالى
أعلمُ بمصالح عبادِهِ منهم ، فما كانَ فيه هدايتُهم ونفعُهُم فإنَّ اللَه لا بدَّ أن
يُبيَّنه لهُم ابتداءً من غيرِ سؤالٍ ، كما قالَ: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) .
وحينئذٍ ، فلا حاجةَ إلى السُّؤال عن شيء ٍ ، ولا سيما قبلَ وقوعِهِ
والحاجة إليه ، وإنَّما الحاجةُ المهمةُ إلى فَهْم ما أخبرَ اللَّهُ به ورسولُه ، ثمَّ اتباعُ
ذلكَ والعملُ به ، وقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُسأل عن المسائلِ ، فيُحيلُ على القرآنِ ، كما سألَهُ عمرُ عنِ الكلالةِ فقال:"يَكفيك آيةُ الصيف".
وأشارَ رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ إلى أنَّ في الاشتغال بامتثال أمرِه ، واجتنابِ نهيه شغلاً عن المسائلِ ، فقال:
"إذا نهيتُكُم عن شيء ٍ فاجتنبوه ، وإذا أمرتُكُم بأمر ، فأتوا منه ما استطعتُم".
فالذي يتعيَّنُ على المسلم الاعتناءُ به والاهتمامُ أن يبحثْ عمَّا جاء عن اللَّهِ
ورسولِهِ - صلى الله عليه وسلم - ، ثم يجتهدُ في فهم ذلك ، والوقوفِ على معانيهِ ، ثم يشتغلُ بالتصديقِ بذلكَ إنْ كان من الأمورِ العلميَّةِ ، وإن كان من الأمور العمليّة ، بذل وسْعهُ في الاجتهادِ في فعلِ ما يستطيعُهُ من الأوامرِ ، واجتنابِ ما يُنْهى عنهُ ، وتكونُ همَّتُهُ مصروفةً بالكليَّة إلى ذلكَ ، لا إلى غيرِه.
وهكذا كانَ حال أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - والتابعينَ لهم بإحسانٍ في طلبِ العلمِ النافع منَ الكتابِ والسنةِ.
فأمَّا إنْ كانتْ همةُ السامِع مصروفةً عند سماع الأمرِ والنهي إلى فرضِ