قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(54)
ففي هذه الآيةِ إشارة إلى أنَّ منْ أعرض عن حبِّنا ، وتولَّى عن قربِنا ، لم
نبالِ بهِ ، واستبدلْنَا به من هوَ أوْلَى بهذهِ المنحةِ منه وأحقُّ ، فمن أعْرَضَ عنِ
اللَّهِ ، فما له منَ اللَّهِ بدَلاً ، وللَّهِ منه أبدالٌ.
ما لي شُغل سواه ما لي شُغلُ ... ما يَصرِفُ عن هواه قلبِي عذلُ
ما أصنعُ إن جَفا وخابَ الأملُ ... منِّي بدل ومنه ما لي بدَلُ
وفي بعضِ الآثارِ:"يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلًّ: ابنَ آدمَ ، اطلبنِي تجدْنِي ، فإنْ وجدتَّني ، وجدتَ كُلَّ شيء ، وإن فُتُّكَ ، فاتَكَ كلُّ شيء ، وأنا أَحبُّ إليك من كلِّ شيء".
كان ذو النونِ يردِّدُ هذه الأبياتِ بالليلِ كثيرًا:
اطلبوا لأنفسِكُم ... مثلَ ما وجدتُ أنا
قد وجدتُ لي سكنًا ... ليس في هواه عَنَا
إنْ بَعدْتُ قَربنِي ... أو قَرُبْتُ مِنْهُ دَنَا
من فاتَهُ اللَّهُ ، فلو حصلتْ له الجنَّةُ بحذافِيرِهَا ، لكان مغبونًا ، فكيفَ إذا لم
يحصلْ له إلا نزْر يسير حقيرٌ من دارٍ كلِّها لا تَعدِلُ جناحَ بعوضةٍ:
مَنْ فاتَهُ أنْ يَراكَ يَومًا ... فكل أوقاتِهِ فواتُ
وحَيثُما كنتُ من بلادٍ ... فَلِي إلى وجْهِكَ التِفَاتُ
ثم ذكرَ أوصافَ الذين يُحبُّهم ويحبُّونه ، فقال: (أَذِلَّةٍ عَلَى المؤْمِنِينَ) ، يعني: أنهم يعامِلونَ المؤمنينَ بالذِّلَّة واللِّينِ ، وخَفْضِ الجناح.
(أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) يعني: أنهم يعامِلُونَ الكافرينِ بالعزَّة والشدَّةِ عليهم.