والإغلاظِ لهم ، فلما أحبُّوا اللَّهَ ، أحبُّوا أولياءَه الذين يُحبونَهُ ، فعامَلُوهُم
بالمحبِّةِ ، والرَّأفةِ ، والرحمةِ ، وأبغضُوا أعداءَه الذين يُعادونه ، فعاملُوهُم بالشِّدَّةِ
والغلظةِ ، كما قال تعالى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) .
(يجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِم) .
فإنَّ من تمامِ المحبةِ مجاهدةَ أعداءِ المحبوبِ - وأيضًا - فالجهادُ في سبيلِ اللَّهِ
دعاءٌ للمعرضِينَ عن اللَّهِ إلى الرجوع إليه بالسِّيفِ والسنانِ ، بعد دعائِهم إليه
بالحجَّةِ والبُرْهانِ ، فالمحبُّ للَّهِ يحبُّ اجتلابِ الخلقِ كلِّهم إلى بابِهِ ، فمنْ لم
يُجبِ الدعوةَ إليه باللينِ والرِّفقِ ، احتاجَ إلى الدعوة بالشدَّةِ والعنفِ:"عجِبَ ربُّك من قوم يُقادون إلى الجنَّةِ بالسَّلاسلِ".
(وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) ، لا هَمَّ للمحبِّ غيرُ ما يُرضِي حبيبَهُ.
رضِيَ من رَضِيَ وسخطَ من سخِطَ ، من خافَ الملامةَ في هوى من يُحبُ.
فليس بصادقٍ في المحبًّةِ.
وقفَ الهوى بي حيثُ أنتَ ... فليسَ لي مُتأخَّر عنه ولا مُتقدَّمُ
أجِدُ الملامةَ في هواكَ لذيذةً ... حبِّا لِذكْرِكِ فلْيَلُمْنِىِ اللُّوَّمُ
قوله: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) ، يعني: درجةَ الذين يُحبهم
ويحبونَهُ بأوصافِهِم المذكورةِ (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) : واسعُ العطاء.
عليم بمن يستحقُّ الفضل ، فيمنَحُهُ ، ومن لا يستحقُّ ، فيمنعُه.
وعن أبي صخرٍ عن محمدِ بنِ كعبٍ القرظيِّ أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أرسلَ
يومًا إليه ، وعمرُ أمير المدينة يومئذٍ ، فقال: يا أبا حمزةَ ، إنَّه أسهرتني البارحةَ
آية. قال محمد: وما هي أيها الأمير ؟