والجواب: عن هذا من وجوه: أحدها ما ذكره ابن الأنباري، وهو أن قابيل لما قال لأخيه: {لَأَقْتُلَنَّكَ} ، وعظه هابيل وذكره الله واستعطفه، وقال: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ} الآية، فلما رآه هابيل قد صمم وأخذ له الحجارة يرميه بها، قال له عند الضرورة: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} أي إذا قتلتني ولم يندفع قتلك إياي إلا بقتلي إياك فمحبتي أن يلزمك إثم قتلي إذا قتلتني، فكان هذا عدلًا من هابيل.
وإلى هذا أشار الزجاج فقال: أي إن قتلتني فأنا مريد ذلك.
فهذه الإرادة منه بشرط أن يكون قاتلا له، والإنسان إذا تمنى أن يكون إثم دمه على قاتله لم يلم على ذلك.
وهذا التأويل قال بعضهم معناه: إني أريد أن [[ترو] ] بعقاب إثمي وإثمك، ثم حذف المضاف، ومن باء بإثم باء بعقاب ذلك الإثم.
قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}
قال الزجاج: المعنى في: {إِنَّمَا} ما جزاؤهم إلا هذا؛ لأن القائل إذا قال: (جزاؤك دينار، فجائز أن يكون معه غيره، وإذا قال: إنما جزاؤك دينار، كان المعنى: ما جزاؤك إلا دينار.
قال ابن عباس في رواية عطاء وسعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في قصة العُرَنِيّين وهي معروفة.
«فإن قيل» : فكيف لم يعذبوا بما في الآية، وفي حديثهم أنهم سُمِل
أعينهم وقُطَّعت أيديهم وأرجلهم، وليس في الآية سمل الأعين وقطع جميع الأيدي والأرجل؟
والجواب: ما حكي عن الليث بن سعد أنه قال: نزلت هذه الآية معاتبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعليمًا إياه عقوبتهم، فقيل: إن جزاءهم ما ذكر في الآية، لا المُثلة، فلذلك ما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطيبًا إلا نهى عن المُثلة.
ويمكن أن يقال: ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان هو الحد فيهم بالسنة، فلما نزلت الآية صارت تلك السنة منسوخة بالقرآن.
هذا إذا جوزنا نسخ السنة بالقرآن.