والعرب تقول:"ما أستطيع ذلك"، أي: ما أنا فاعل ذلك، وهو يستطيع.
وقيل: إنهم سألوه قبل أن يكونوا مؤمنين محققين، ثم آمنوا بعد ذلك، ودل على ذلك استعظام عيسى لقولهم، وقوله لهم: {اتقوا الله إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} .
تستطيع أنت ذلك؟.
وقرأه الكسائي بالتاء، ونصب (ربَّك) ، ومعناها: أن الحواريين لم يكونوا شاكين، إنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك؟
قالت عائشة: كان الحواريون لا يشكون أن الله قادر على أن ينزل عليهم مائدة.
وروي عنها أنها قالت: كان الحواريون أعرف بالله من أن يقولوا: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} [1] .
وتقدير قراءة الكسائي: هل تستطيع مسألة ربك أن ينزل علينا مائدة.
(وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ ...(116)
والمسألة في قوله: {أَأَنتَ قُلتَ} إنما هي على وجه التوبيخ للذين ادعوا عليه ذلك، وهم بنو إسرائيل.
ووجه سؤال الله لعيسى عما قد علم أنه لم يفعله: هو على معنى تنبيه المسؤول على الاستعظام، كقولك للرجل:"أفعلت كذا وكذا؟"- وأنت تعلم أنه لم يفعله - ليستعظم فعل ما قد سألته عنه.
وقيل: إنما سأله عن ذلك على وجه إعلامه أن أمته قد فعلت ذلك بعده، فأعلمه حالهم بعده.
(إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(118)
المعنى: إن تعذبهم بقولهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم بتوبتهم عما قالوا فتستر عليهم، {فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز} في انتقامك، {الحكيم} في أفعالك.
[1] في نسبة هذا القول لأم المؤمنين - رضي الله عنها - نظر، لأن القراءة متواترة. والله أعلم.