فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 203

نستطيع أن نقول: إنه إذا كانت أية لغة (بإدماج هذه اللغة الطبيعية) لا تستطيع الاشتغال إلا بشرط أن تكون غارقة داخل سيمياء الكون، إذًا لا توجد سيمياء كون تستطيع، كما أشار إلى ذلك إميل بنفينست، أن توجد بدون لغة طبيعية تلعب دور المركز المنظم." [1] "

لكن قد تضمحل الأنساق اللغوية المركزية، وتحل محلها اللغات الفرعية، مع امتلاك قوة السيطرة داخل النسق السيميائي الكوني؛ مثل: لهجة فلورنسا التي صارت، خلال عصر النهضة، اللغة الأدبية الفضلى لإيطاليا، بعد أن كانت من قبل لغة مهمشة.

ومن ثم، لا يمكن للغة أو لثقافة معينة أن تمتد ضمن سيمياء الكون إلا باحترام القوانين المفروضة، وتمثل المعايير الأدبية والفنية والقيمية والسلوكية. ويمكن للمركز كذلك أن يتحول إلى هامش، والعكس صحيح أيضا.

وبناء على ما سبق، تتكون السيميوطيقا الكونية من مركز وهامش وحدود. ويعني هذا أن سيمياء الكون تضم مجموعة من اللغات التي تشكل المركز والهامش [2] . ومن ثم، يتسم المركز بالتنظيم والاتساق والانسجام والوحدة؛ مما يجعله أكثر رقيا وتمدنا وتحضرا؛ ما دام يخضع للتقعيد والتقنين (لغة لها قواعد نحوية مثلا) . وفي المقابل، هناك لغات فرعية أو هامشية أو مقابلة، تفتقد قوة المركز، وتعيش على الهامش، وتدخل في صراع تقابلي مع المركز المهيمن، كما هو شأن دول المركز ودول المحيط في مجال الاقتصاد.

لكن يمكن للأنظمة السيميوطيقية أن تتطور وتتحول داخل سيمياء الكون؛ حيث يصبح الهامش مركزا، والعكس صحيح أيضا. ومن باب التمثيل ليس إلا، فقد كانت اليونان مركز الحضارة والثقافة الإنسانيتين. في حين، كانت روما مركزا هامشيا. بيد أن هذا الهامش الجغرافي سرعان ما تطور ليصبح مركزا كونيا تشع منه الثقافة والحضارة والدين،

(1) - يوري لوتمان: نفسه، ص:26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت