المخاطب أنه كان، ولم يعلم أنه ممن كان كما مضى في قولك:"زيد هو المنطلق"ولا تريد أن تقصر معنى عليه على معنى أنه لم يحصل لغيره على الكمال، كما كان في قولك:"زيد هو الشجاع"ولا أن تقول ظاهر أنه بهذه الصفة كما كان في قوله"ووالدك العبد" [1] ولكنك تريد أن تقول لصاحبك: هل سمعت بالبطل المحامى؟ وهل حصلت معنى هذه الصفة؟ وكيف ينبغى أن يكون الرجل حتى يستحق أن يقال ذلك له وفيه؟ فإن كنت قتلته علمًا، وتصورته حق تصوره، فعليك صاحبك واشدد به يدك فهو ضالتك وعنده بغيتك، وطريقه طريق قولك:"هل سمعت بالأسد؟ وهل تعرف ما هو؟ فإن كنت تعرفه فزيد هو هو بعينه" [2] .
تقديمه: ذكر البلاغيون أن تقديم المسند يكون لتخصيصه بالمسند إليه كقوله تعالى في خمر الجنة" {لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} [3] . والمراد: قصد نفى الغول عنها بخلاف خمر الدنيا فإن فيها غولًا، ولو قال: لا غول فيها لأفاد نفى الغول عنها فقط من غير أن يتعرض لخمور الدنيا."
-وقد يكون التقديم للتفاؤل والتشويق إلى ذكر المسند إليه كقول الشاعر:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها:. شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر [4]
ويكون التقديم لأسرار أخرى حسب ما يقتضيه السياق، ويدعو إليه المقام.
(1) جزء من بيت لحسان بن ثابت قاله في هجاء أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قبل إسلامه، وتمام البيت:
وإن سنام المجد من آل هاشم:. بنو بنت مخزوم ووالدك العبد
ومعنى كون الحارث عبدًا أن أمه ليست بقرشية، ولم تلدها قبيلة مشهورة. وهذا البيت من شواهد التلخيص في تعريف المسند بأل. والشاهد في قوله"ووالدك العبد"فقد أراد أن يثبت له العبودية ثم يجعله ظاهر الأمر فيها معروفًا بها، ولو قال"ووالدك عبد"لم يكن قد جعل حاله في العبودية حالة ظاهرة متعارفة. ينظر التلخيص ص 121 ط دار الفكر، ودلائل الإعجاز ص 140 ط دار الكتب العلمية.
(2) ينظر دلائل الإعجاز ص 182.
(3) الآية (47) من سورة الصافات.
(4) البيت لمحمد بن وهيب في مدح أبى إسحاق المعتصم ينظر الإيضاح 1/ 162.