فعن الإيضاح بعد الإبهام. ويقول في قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ... } [1] .
"لم يكتف بقوله (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقًا) بدون ذكر الجنة ليكون الكلام إيضاحًا بعد إبهام، وهو أوقع في النفوس وأكثر مواقع الإطناب من هذا القبيل، وتخصيص الثمرة بالذكر لمناسبة الأنهار، إذ الأثمار تسقى بماء، وتحصل بها بطريق جرى العادة ..." [2] .
فالإطناب في الآية لمناسبة المقام، والإيضاح بعد الإبهام من أكثر مواقع الإطناب لما فيه من التفصيل والإيضاح ويلاحظ، إشارته إلى سر تخصيص الثمرة بالذكر وأن هذا التخصيص لمناسبة الأنهار فالحديث عن الجنة وأنهارها وما فيها يتطلب التفصيل، فالكلام هنا مطابق لمقتضى الحال.
ويقول في قوله تعالى في شأن المجاهدين: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} [3] .
"قوله (برحمة منه ورضوان) فيه إطناب للتوضيح بعد الإبهام، ولو قيل (رحمة) لفات ذلك، والمراد بالرحمة مطلق الإحسان، والتفضيل أخرويًا كان أو دنيويًا، والمراد بالرضوان ما أشير إليه في الحديث الشريف: (أحل عليكم رضوانى فلا أسخط عليكم بعده أبدًا) [4] [5] ."
فالإطناب في الآية من مقتضى الحال لمناسبة المقام كما بين يشير إلى الإيضاح بعد الإبهام في موضع آخر، فيقول في قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [6] .
(1) من الآية (25) من سورة البقرة.
(2) ينظر حاشية القونوى 2/ 155.
(3) الآية (21) من سورة التوبة.
(4) حديث صحيح أخرجه البخارى ومسلم في صحيحيهما ينظر الترغيب والترهيب 4/ 557 ط دار الريان (1407) هـ، وجامع الأحاديث القدسية 2/ 555، ط دار الريان (1991) م.
(5) ينظر حاشية القونوى 7/ 20.
(6) الآية (27) من سورة لقمان.