فعن مجئ النداء للاختصاص يقول عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [1] ."بعد ان نقل كلام البيضاوي:"وإنما عدل هنا عن المصدر إلى الفعل لما فيه من إبهام التجدد وحسن دخول الهمزة وأم عليه لتقرير معنى الاستواء وتأكيده، فإنهما جردتان عن معنى الاستفهام لمجرد الاستواء كما جردت حروف النداء عن الطلب لمجرد التخصيص في قولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة" [2] . عقب عليه بقوله:"قال صاحب التلخيص [3] : وقد يستعمل صيغة النداء في غير معناه كالاختصاص في قولهم: أنا أفعل كذا أيها الرجل: أى متخصصًا من بين الرجال، وأوضحه النحرير التفتازانى بحيث لا مساغ فيه للإشكال [4] . فالوجه في التوفيق أن صيغة النداء المرموز إليها يا أيتها المختصة بالنداء مستعملة في الاختصاص مجازًا نظيره لفظ المشبه به المرموز إليه بذكر روادفه مستعمل في غير معناه" [5] ."
وكلام القونوي هنا هو ما قرره البلاغيون كما سبق من أن النداء قد تستعمل صيغه في غير معنانيها مجازًا لأغراض بلاغية تطابق مقتضى الحال.
وعن مجئ النداء لإظهار النصح والتحريض على الانقياد يقول في قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ العَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [6] .
"قوله (يا قوم أدخلوا الأرض المقدسة) كرر عليه السلام النداء بإضافتهم إلى نفسه النفيسة تشريفًا، وإظهارًا لإمحاض النصح لهم، ومبالغة في تحريضهم على الانقياد به" [7] . ويقول في قوله تعالى على لسان آدم وزوجه عليهما السلام قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن
(1) الآية (6) من سورة البقرة.
(2) ينظر أنوار التنزيل 1/ 73.
(3) ينظر الإيضاح 2/ 51؟، 52.
(4) ينظر المطول ص 154.
(5) ينظر حاشية القونوى 1/ 258.
(6) الآيتان (20، 21) من سورة المائدة.
(7) ينظر حاشية القونوى 5/ 324.