الفصل الثامن
الإنشاء الطلبى وأسراره البلاغية:
عنى الإمام القونوي في حاشيته ببعض مباحث الإنشاء غير الطلبى كالترجى والتعجب مبينًا ما وراءها من أسرار بلاغية يقتضيها المقام ويدعو إليها الحال.
يقول في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [1] ."حمل (لعل) على الترجى وهو الطمع في حصول أمر محبوب ممكن الوقوع، ولما كان هذا محالًا عليه تعالى شأنه حمل على الرجاء للمخاطب، فإنه كما يجئ لرجاء المتكلم يجئ لرجاء المخاطب ولرجاء غيرهما، والظاهر أنه حقيقة في الكل كما صرح به بعض المحشيين [2] . والأظهر أنه حقيقة في رجاء المتكلم ويؤيده قولهم: إنه لإنشاء الترجى، والإنشاء لا يكون إلا من المتكلم. وقال الرضى: إن لعل إذا وقعت في كلام علام الغيوب تكون لرجاء المخاطبين عند سيبويه وهو الحق لأن الأصل في الكلمة أن لا تخرج عن معناها بالكلية انتهى ...." [3] .
وكلام القونوي هنا يدفعنا إلى بيان المقصود بـ"لعل"ومعانيها والأصل فيها ولعل كما يقول الجوهرى: كلمة شك والأصل فيها عل واللام في أولها زائدة، فكلمة لعل رجاء وطمع وشك، وجاءت في القرآن بمعنى كى، وجاءت في حديث حاطب:"... وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر ..."الحديث. قال ابن الأثير: ظن بعضهم أن معنى"لعل"هاهنا من جهة
(1) الآية (21) سورة البقرة.
(2) وهو السيالكوتى حيث قال: إن لعل على حقيقتها، وهى للترجى سواء من المتكلم أو المخاطب أو غيرهما حاشية ابن التمجيد 2/ 95.
(3) ينظر حاشية القونوى 2/ 95.