وعن التلوين في قوله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ... .} [1] .
يقول قوله: (فسيحوا في الأرض) المراد الإباحة، وإزالة الخوف، وبيان أمنهم في هذه المدة ... والفاء لترتيب الأمر بالسياحة على ما يشعر به البراءة المذكورة من المحاربة. أى إذا كان الأمر كذلك فسيروا أين شئتم، وكيف شئتم، واستعدوا للحرب، وتحصنوا بالمال والأعوان فإنه لا يغنى عنكم من الله شيئًا، وفيه تشجيع للمسلمين وإقناط كلى للمشركين. وتلوين الخطاب بصرفه عن المسلمين، وتوجهه إليهم مع حصول المقصود بصيغة أمر الغائب أيضًا للمبالغة في الإعلام بالإمهال حسمًا لمادة تعللهم بالغفلة. وهذا أحسن من تقدير القول، وكون المعنى فقل لهم فسيحوا [2] .
وفى قوله تعالى خطابًا لـ"لوط عليه السلام": {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} [3] . يقول:"قوله (ولا يلتفت منكم) تلوين الخطاب فيه عليه السلام إلى أهله معه، والتفات بالنسبة للأهل" [4] .
ويلاحظ أن الإمام القونوي - هنا - لم يوضح سر التلوين أو الالتفات وكما سبق رأيناه في غالب المواضع ما يشير إلى وجه حسن التلوين وكذلك في بحث الالتفات، وفى بعض المواضع يترك الإشارة إلى السر في التلوين إما اعتمادًا على فطنة القارئ أو لأن السر فيه قد سبقت الإشارة إليه.
(1) الآية (1) وبعض الآية (2) من سورة التوبة.
(2) ينظر حاشية القونوى 7/ 5.
(3) الآية (65) من سورة الحجر.
(4) ينظر حاشية القونوى 8/ 118.