وهو يشير إلى ما وراء التأكيد من أسرار في هذا الموقف ويقول في قوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: { ... إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ} [1] .
"قوله: (إنه هو العليم الحكيم) تعليل لما قبله؛ ولهذا أكد بتأكيدات إذ المقام مظنة التردد أى كونه تعالى مدبرًا في أفعاله لكونه عليمًا بوجوه المصالح، والحكم والتدبير، وما يرجع إليه الأمور الحكيم الذي يفعل كل شئ .... الخ، ولهذا سهل أمر يعقوب، ويوسف عليهما السلام بعد كونه صعبًا شديدًا، وجمع بينهم بعد أربعين سنة ...." [2] .
ويلاحظ إشارة القونوي إلى أن التأكيد في المواضع الثلاثة الأخيرة للتردد أو للشك أو للإنكار، وإشارته إلى هذه الأسرار تتفق مع المقام في موقف إبراهيم عليه السلام من النمروذ، ومن عبدة الأوثان وموقف نوح عليه السلام حين ركوب السفينة مع المؤمنين، وموقف يوسف عليه السلام حين جمع الله بينه وبين إخوته ومكن له في الأرض بعد الصبر على البلاء ويضاف إلى ذلك أن هذه الإشارات لم يسبق إليها القونوي.
وعن تأكيد الخبر للإنكار يقول في قوله تعالى مخاطبًا النبى (- صلى الله عليه وسلم -) : { ... وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ المُبِينُ} [3] .
"وقوله (وقل إنى أنا النذير المبين) عطف على قوله (واخفض جناحك) أى تواضع للمؤمنين، وقل للكافرين تهديدًا لهم، وأكد بمؤكدات لكمال العناية بشأنه، ولكون المخاطب منكرًا أشد الإنكار، وللإشارة إلى رجحان وصف الإنذار على التبشير ...." [4] . فالتأكيد لأن المقام مقام إنكار من الكافرين لرسالته.
(1) من الآية (100) من سورة يوسف.
(2) ينظر حاشية القونوى 7/ 375.
(3) من الآية (88) والآية (89) كاملة من سورة الحجر.
(4) ينظر حاشية القونوى 8/ 125.