أحدهما: أن تنزَّل الثانية من الأولى منزلة بدل البعض من متبوعه كقوله تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [1] . وقوله {أمدكم بأنعام وبنين} أوفى بتأديته مما قبله لدلالته على التفصيل من غير إحالة على علمهم مع كونهم معاندين، والإمداد بما ذكر من الأنعام وغيرها بعض الإمداد بما يعلمون.
ثانيهما: أن تنزل الثانية من الأولى منزلة بدل الاشتمال من متبوعه كقوله تعالى: { اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ} [2] . فقوله {اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون} أو في بتأدية ذلك، لأن معناه لا تخسرون معهم شيئًا من دنياكم، وتربحون صحة دينكم، فينتظم لكم خير الدنيا، وخير الآخرة.
-الثالث:
أن تكون الثانية بيانًا للأولى، وذلك بأن تنزل منها منزلة عطف البيان مع متبوعه في زيادة الإيضاح، والمقتضى للتبين أن يكون في الأولى نوع خفاء مع اقتضاء المقام إزالته كقوله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى} [3] . فصل جملة {قال يا آدم .... } عما قبلها لكونها تفسيرًا له وتبيينًا فلم تدخل الواو فيما سبق لوثوق الصلة بين هذه الجمل، ولأنها لا تقع إلا بين متغايرين ومتناسبين، وإذا دخلت الواو بين الجمل السابقة آذنت أن هذا شئ، وهذا شئ آخر، وكأنك تخبر عن حقيقتين لا حقيقة واحدة [4] .
(1) الآيات من (132 - 134) من سورة الشعراء.
(2) من الآية (20) والآية (21) كاملة من سورة يس.
(3) الآية (120) من سورة طه.
(4) ينظر دلالات التراكيب ص 294 باختصار.