ولا يثبت به مفهوم المخالَفة؛ لأنَّهَا مسألة ظنِّيَّة وليست قَطْعِيَّةً، وإذا كان كذلك جاز ثبوت مفهوم المخالَفة بخبر الآحاد ..
كَمَا أنّ المفهوم أمْر لغويّ يثبت بالآحاد كَمَا نُقِل عن أبي عُبَيْد ـ رحمه الله تعالى ـ وغَيْره (1) .
الدليل الثاني: أنَّه لو كان مفهوم المخالَفة حُجَّةً لَمَا حَسُن الاستفهام عن الحُكْم في حال نَفْيِهَا لا عن نَفْيه ولا عن إثباته؛ لِكَوْنه استفهامًا عَمَّا دَلّ عليه اللفظ ..
فإنّ مَن قال"إنْ ضَرَبَك زَيْد عامدًا فاضْرِبْه"حَسُن أنْ يقول"فإنْ ضَرَبَنِي خاطئًا أفأَضْرِبُه؟".
وإذا قال"أَخْرِج الزكاة مِن ماشيتك السائمة"حَسُن أنْ يقول"هل أُخرِجها مِن المعلوفة؟".
وحُسْن الاستفهام يَدُلّ على أنّ ذلك غَيْر مفهوم، فَدَلّ ذلك على عدم حُجِّيَّة مفهوم المخالَفة.
مُنَاقَشَة هذا الدليل:
وقَدْ نُوقِش هذا الدليل: بأنّا لا نُسَلِّم أنّ حُسْن الاستفهام دلالة على مَا دَلّ عليه اللفظ، وإنَّمَا كان لِطلب الأَجْلَى والأَوْضَح؛ لِكَوْن دلالة الخِطَاب ظاهرة ظنِّيَّة غَيْر قَطْعِيَّة ..
ولِذَا فإنَّهم لم يَستقبِحوا الاستفهام مِمَّنْ قال"رأيتُ أَسَدًا"بأنْ يقال"هلْ رأيْتَ الحيوان المخصوص أو إنسانًا شجاعًا؟"مع أنّ لَفْظه ظاهِر في أحد المَعْنيَيْن دُون الآخَر (2) .
(1) يُرَاجَع: مختصر المنتهى مع شَرْح العضد 2/ 179 والإحكام لِلآمدي 3/ 89 والمستصفى /265 وقواطع الأدلّة 2/ 13 والتبصرة /221، 222
(2) يُرَاجَع: الإحكام لِلآمدي 3/ 90 والمستصفى /265 وقواطع الأدلّة 2/ 17 وروضة ... الناظر 2/ 777 وشَرْح مختصر الروضة 2/ 732