الدليل الأول: أنّ التأفيف في اللغة غَيْر موضوع لِلضرب والشتم، ولِذَا فالمنع مِن التأفيف لا يدخل فيه المنع مِن الضرب والشتم، لكنّهما دَخَلاَ في المنع، وحيث إنَّه يَمتنع دخولهما فيه لغةً فلا مَفَرّ مِن دخولهما فيه بِطَرِيق القياس، فَدَلّ ذلك على أنّ دلالة مفهوم الموافَقة دلالة قياسيّة لا دلالة لفظيّة
مُنَاقَشَة هذا الدليل:
وقَدْ نُوقِش هذا الدليل: بأنَّا لم نَقُلْ أنّ التأفيف موضوع لِلضرب والشتم، وإنَّمَا يُفْهَم مِمَّنْ نَطَق به على هذا الوجهِ المنعُ مِمَّا زاد على التأفيف مِن الأذى ضربًا أو شتمًا، وهذا الاستدلال مأخوذ مِن دلالة النَّصّ وليس مِن باب القياس (2) .
الدليل الثاني: أنّ إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به في الحُكْم لاشتراكهما في المقتضى (العِلَّة) هو حقيقة القياس، وهذا متحقِّق في تحريم ضَرْب الوالديْن أو شتْمهما المُحَرَّم بمقتضى تحريم التأفيف في قوله تعالى {فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفّ} (3) ؛ فالمنصوص عليه حرمة التأفيف، فأُلحِق به الضرب والشتم بجماع الأذى في كُلٍّ، ولِذَا كان الحُكْم فيهما ـ الضرب والشتم ـ ليس مأخوذًا مِن لَفْظ التأفيف، وإنَّمَا مِن جهة المَعْنَى بِطَرِيق القياس.
مُنَاقَشَة هذا الدليل:
وأَرَى مُنَاقَشَة هذا الدليل: بأنَّا نُسَلِّم أنّ تَحَقُّق أركان القياس يَجعل
(1) يُرَاجَع: شَرْح اللُّمَع 2/ 118 وجَمْع الجوامع مع تشنيف المَسامع 1/ 166 والبرهان 2/ 786 وشَرْح مختصر الروضة 2/ 717 وكَشْف الأسرار لِلبخاري 1/ 186، 187 وتيسير التحرير 1/ 90
(2) يُرَاجَع إحكام الفصول /510
(3) سورة الإسراء مِنَ الآية 23
الحُكْمَ مَبْنِيًّا على القياس، فلِذَا يحرم ضرْب الوالديْن أو شَتْمهما قياسًا على حرمة التأفيف، لكنْ لا نُسَلِّم أنّ هذا التحقق يَمنع التوصل إلى هذا الحُكْم