فعلي لما رأى أن ما قيل مشكوك فيه، أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين ليتخلص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الهم والغم الذي لحقه من كلام الناس، فأشار بحسم الداء.
وأسامة لما علم حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها ولأبيها، وعلم من عفتها وبراءتها، وحصانتها وديانتها ما هي فوق ذلك، وأعظم منه، وعرف من ... كرامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ربه ومنزلته عنده، ودفاعه عنه، أنه لا يجعل ربة بيته وحبيبته من النساء وبنت صدِّيقه بالمنزلة التي أنزلها به أرباب الإفك، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكرم على ربه، وأعز عليه من أن يجعل تحته امرأة بغيًّا، وعلم أن الصديقة حبيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكرم على ربها من أن يبتليها بالفاحشة، وهي تحت رسوله» [1] .
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: «لم يجزم عليّ بالإشارة بفراقها؛ لأنه عقب ذلك بقوله: «وسل الجارية تصدقك» ففوض الأمر في ذلك إلى نظر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكأنه قال: إن أردت تعجيل الراحة ففارقها، وإن أردت خلاف ذلك، فابحث عن حقيقة الأمر إلى أن تطلع على براءتها؛ لأنه كان يعلم أن بريرة لا تخبره إلا بما علمته، وهي لم تعلم من عائشة إلا البراءة المحضة» [2] .
وهذا الذي قاله الشيخ ابن أبي جمرة هو التفسير السليم لموقف
(1) «زاد المعاد» (3/ 233) .
(2) «فتح الباري» (10/ 480) .