ذلك أن أساس هذا الدرس مبني على القراءات القرآنية، وهو علم وإن كان متأخرا (من حيث الوضع النظري) عن بعض العلوم العربية الأخرى كالنحو؛ فإنه أسبق منها من حيث الواقع العملي) [1] .
ويمكن الإقرار، بسهولة، أن قراءة القرآن هي التي جعلت علماء العربية القدماء يتأملون أصوات اللغة ويلاحظونها هذه الملاحظة"الذاتية"التي أنتجت، في وقت مبكر جدًا، دراسة طيبة للأصوات العربية لا تبتعد كثيرا عما يقرره المحدثون. وحين نقول إن"ملاحظة الأصوات ملاحظة ذاتية كانت في فترة مبكرة قد نشأت عن طريق قراءة القرآن"إنما نذكر عمل أبي الأسود الدؤلي في ضبط القرآن الكريم بالنقط من خلال ملاحظة حركة الشفتين [2] . ولا يمضي وقت طويل حتى يقدم لنا"الخليل ابن أحمد"أول تصنيف للأصوات حسب"موضع النطق"أو حسب"الأحياز والمخارج"وتصنيفه هذا يؤدي به إلى تقسيم الأصوات إلى ما يعرف الآن بالأصوات الصامتة والحركات) [3] .
ومن المثير للدهشة في تعريف"ابن جني"للغة هو أنه قد قصرها على"الأصوات"وأخرج منها"الكتابة"، وهو دليل واضح على أن علماء العربية لم يكونوا يدرسون اللغة باعتبارها لغةً"مكتوبة"؛ وإنما باعتبارها لغةً"منطوقةً"قائمةً على"الأصوات"، وهو الرأي الذي يتفق عليه علماء اللغة المحدثون؛ الذين يعتقدون بأن تعبير"اللغة المكتوبة"هو تعبير لا يمكن قبوله إلاّ على سبيل المجاز، فاللغة، علميًا، ذات طبيعة صوتية، وهو ما فهمه"ابن جني"وأمثاله من علماء اللغة منذ قرون ..
ومن وجهة نظر اللغويين فإن"اللغة المكتوبة"ليست نوعًا آخر من"اللغة الطبيعية"، إنما الأمر عبارة عن رموز بصرية (ناقصة ومُلْبِسة في كثير من الأحوال)
(1) فقه اللغة في الكتب العربية، د. عبده الراجحي، 1974، ص 129.
(2) بقوله لكاتبه: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه إلى أعلاه، وإن ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف.
(3) فقه اللغة في الطتب العربية، د. عبه الراجحي، ص 130.