وبرسوخ قاعدة التواتر على وجهيها (المصحفي والسمعي) فقد صار القرآن الكريم حجةً قطعيةً في حق من لم يسمعه مباشرة من النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وحجية ذلك التواتر، سواء من ناحية الجوهر أو الكيفية التي يتم الأداء وفقها، إنما تأتي لتسدَّ الباب أمام إمكانية تحريف كلماته وحروفه؛ سواء أكان ذلك من جهة مخارجها أو من جهة صفاتها، فقد ضبط علماء القراءة مخرج كل حرف وصفاته، فبيّنوا مثلًا أن الهمزة تخرج من أقصى الحلق، والحاء تخرج من وسطه، والباء من بين الشفتين، وبينوا صفة كل حرف من تفخيم وترقيق وقلقلة واستطالة .. الخ، إلى الدرجة التي دعت العلماء إلى اعتبار القراءةَ بغير تجويدٍ لحنا! [1] ..
من هنا؛ يمكننا أن ندرك الضرورة القصوى لمعرفة الشكل الصحيح الذي يجب أن يؤدى القرآن به [2] سواء فيما يتعلق بالتواتر المصحفي أو الجانب الآخر (الذي قد يفوق الأول أهمية) والمتعلق بالتواتر السمعي [3] وهذا يفتح أمامنا
(1) اللحن خلل يطرأ على الألفاظ، منه الجلي ومنه الخفي، والجلي: هو ما يخل باللفظ إخلالا ظاهرا يشترك في معرفته علماء القراءة وغيرهم، وذلك كالخطأ الإعرابي أو الصرفي. أما الخفي: فهو ما يخل باللفظ إخلالا يختص بمعرفته علماء القراءة وأئمة الأداء الذين تلقوه من أفواه العلماء وضبطوه من ألفاظ الأداء.
(2) فيما يتعلق بهذا الأمر فقد شاعت بعض القراءات التي هي أبعد ما يكون عن الأداء الصحيح للقرآن، ومنها:"الترعيد"وهو أن يرعد القارئ صوته، حتى أنهم وصفوا من يقوم به وكأنه يرعد من البرد أو الألم، ومنه"الترقيص"وهو أن يروم السكوت على الساكن ثم ينقر مع الحركة وكأنه في عدوٍ أو هرولة، و"التطريب"وهو أن يترنم بالقرآن ويتنغم به فيمد في غير مواضع المد، ويزيد في المدّ إن أصاب موضعه، ومنه كذلك"التحزين"وهو أن يأتي بالقراءة على وجه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوع، ومنه"الترديد"وهو ردّ الجماعة على القارئ في ختام قراءته بلحنٍ واحدٍ على وجهٍ من تلك الوجوه.
(3) المقصود به اللحن في قراءة القرآن. وإن من القراءات التي اعتبرت لحنا ما أدخل عليها من ألحان الحداء والغناء والرهبانية، فمنهم من كان يدس من ذلك دسا خفيا، ومنهم من كان يجهر به حتى يسلخه، فمن هذا قراءة الهيثم {أما السفينة فكانت لمساكين} (الكهف) فإنه كان يختلس المدّ اختلاسا يخرجه عن طبيعته، فكان يقرأها (لِمَسَكينَ) ، وإنما سلخه من صوت الغناء كهيئة اللحن في قول الشاعر:
أما القطاة فإنّي سوف أنعتها ... نعتا يوافق عندي بعض (مفيها)
وهو يقصد بالطبع (ما فيها) فإن كان ذلك يصلح غناء فهو بالقطع لا يصلح في قراءة القرآن لأن المد وقدره إنما هو جزء من المعنى، فضلا عن أنه أمر توقيفي لا يجوز النقص منه أو الزيادة عليه.