فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 259

ولا تقتصر"النسبية"على المدلولات المادية، بل تتعداها للقيم المعنوية، مثل العدل، والرحمة، والقدرة .. فهي صفات يمكن أن يتمتع الإنسان بنصيبٍ وافرٍ منها، إلا أن قيمها المطلقة مقصورة على الله عز وجل! ..

ولعل اللغة العربيّة هي واحدة من أشدّ اللغات قبولًا لصفة المرونة، حيث تعتبر مرونتها معيارًا لخصوبة هذه اللغة وقدرتها على الاستيعاب. فاللفظُ الواحدُ في العربيّة يمكن أن تتنازعه عدةُ معانٍ، والتي منها ما هو قريبٌ مما تعارف عليه الناس في حياتهم العملية ونشاطاتهم اليومية، وأن يكون له في الوقت ذاته معنىً، أو عدة معانٍ، أخرى مما هو مستترٌ خلف المعنى العُرفيّ الشائع. وتعتبر الاحتمالات النظرية لمعاني لفظٍ ما (والموجودة في معجمات اللغة) معاني محتملة له.

فلفظة"الشريعة"،على سبيل المثال، في معناها الشائع الذي تعارف عليه الناس: ما شرعَ الله لعباده من أمرِ الدين [1] . بينما تتقبل من المعاني اللغوية المحتملة معنى: الطريقة، أو المنهج .. وهي جمعُ شرائع؛ والتي تعني مورد الشاربة.

كذلك؛ فإنَّ"الفقه"يعني عُرفًا واصطلاحًا: (العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية) بينما له من وجوه المعاني اللغوية المحتملة معاني: العلم بالشيء؛ والفهم له، وكذلك: الحذق، والفطنة .. وشتان ما بين المعنى الاصطلاحي [2] وبين المعاني اللغوية ذات الأبعاد: المتدرجة في اتساعها؛ والمتعددة في مدلولاتها؛ وحتى المطلقة في كثيرٍ من الأحيان! ..

وتعتبر"ظاهرة النسبية"،بشكل عام، الوجه المقابل لمشكلةٍ كثيرًا ما أعاقت قدرتنا على الفهم السليم لمراد الآخرين من كلامهم (وهي صحيحة بالنسبة لكتاب الله عز وجل بوجه خاص) إذ كثيرًا ما أحدث الأخذُ بالمعاني القريبة

(1) من أمرٍ، ونهيٍ، وحلالٍ، وحرامٍ، وفرائض، وحدود ..

(2) الذي يشيعُ عادةً في زمانٍ ومكانٍ معينين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت