فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 259

ما تخلو الألفاظ في المجتمع البدائي من الدقة؛ بحيث يكثر فيها اللبس والإبهام، وهي غالبا ما تعبر عن ضرورات الحياة اليومية، ولذلك كانت جملها قصيرة وروابطها قليلة، وتعتمد اعتمادا كبيرا على الإشارات اليدوية ولغة الجسم لإعطاء المعنى المقصود، حيث تعتبر الحركات والإشارات جزءا مكملا للغة المنطوقة لإيصال المعاني المراد إيصالها.

وقصور اللغة عن التعبير عما في النفس ليس مقصورا على اللغات البدائية، حيث كثيرا ما ظهر هذا الأمر في المجتمعات الحديثة أيضا؛ وذلك حين تعجز اللغة عن حمل كافة الدلالات"الموضوعية"و"الانفعالية"التي يريد المتكلم إيصالها لمن يستمع إليه، عندها يقع المرء في حالة يصعب وصفها، وهي الحالة التي تزداد صعوبة إذا ما كان المتحدث مستعملا لجهاز الهاتف، أو إذا ما كان متحدثا إلى الآخرين في أجواء تسودها الظلمة!!؛ حيث يفتقد ساعتها القدرة على إكمال المعاني اللفظية بحركات جسده [1] ..

وقد تعرض"ابن جني"لمثل تلك الحالة حين قال: (وقال لي بعض مشايخنا رحمه الله: أنا لا أحسن أن أكلم إنسانا في الظلمة) ؟! [2] .

والحالة التي نحن بصددها، والتي تعني في جوهرها قصور اللغة، بشكل عام، عن إيصال المضامين الموضوعية والانفعالية للآخرين تحتم علينا التعرف

(1) أية رسالة اتصالية نحاول إيصالها للآخرين لها ثلاثة وجوه: الأول: هو:"معنى"أو"مضمون"الرسالة. والثاني هو الجانب"الصوتي"فيها (ارتفاعا وانخفاضا وتفصيلا للألفاظ عن بعضها .. الخ) والثالث هو"المرئي"ونقصد به (الحركات الجسمية التي يستخدمها المتحدث لتوضيح وإكمال رسالته) وقد وجد أن وصول رسائلنا وفهمها بنجاح من قبل الآخرين إنما يعتمد بنسبة: 7%، 38%، و 55% على كل من: جانب المضمون، الجانب الصوتي، والجانب المرئي لمرسل الرسالة على التوالي .. وهي علة إضافية تدفع باتجاه ترتيل القرآن وحسن أدائه حيث الترتيل هو عناية بالجانب الصوتي، الذي يتوقف عليه نجاح وصول الرسالة بنسة 38% في حال وجود جانب مرئي، ويتجاوز هذه النسبة ليصل إلى 80% في حال عدم وجود الجانب المرئي، كأن نستمع إلى شخص في الإذاعة مثلا، فنجاح رسالة هذا الشخص في الوصول للمستمعين تعتمد بنسبة تقترب من 80% على الجانب الصوتي لديه!.

(2) الخصائص 1/ 247، هامش المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي، ص 130، مرجع سابق)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت