بعد تداعي الإمبراطورية الرومانية تعدد الزعامات وكثر الإقطاعيون، وبالتالي كثرت الإمارات في مختلف البلاد، وأصبح من الضروري أن يكون لكل إمارة عملة خاصة، وفي ذلك الوقت أصبح الصيرفي رجلًا يقوم بتجارة مختلف العملات، ببيع النقود ويشتريها دون أن يضم إليها أنواعًا أخرى من التجارة، ودون أن يقرن ذلك بالأعمال المصرفية الأخرى من إقراض واقتراض وفتح للاعتمادات ونحو ذلك، ورغم هذا كله فقد كانوا يربحون الأموال الطائلة لأن الأغنياء الذين يخافون على أموالهم من السرقة والضياع صاروا يودعونها عند محترفي صياغة الذهب، ويعطونهم أجرًا مقابل حفظ المال، وإذا أراد أحدهم السفر إلى بلد بعيد أخذ من الصائغ أمرًا [1] إلى زميل له في البلد الآخر بتسليمه المبلغ المطلوب، وكان هذا بمثابة مولد لأمر النقل الصرفي والحوالة، وانتهى الأمر إلى أن يقوم تجار الذهب وصيارفة النقود بإعطاء كل من أودع عندهم سندًا يثبتون فيه قيمة وديعته من الذهب، وما لبث المودعون بعد ذلك أن تعاملوا فيما بينهم بهذه السندات، نظرًا لأن تداولها أيسر وأخف من تداول الذهب. وقد دفعت الثروات الكبيرة التي تكدست في مقر المنظمات الكنائسية إلى التفكير في العمل على استغلالها عن طريق الاعتماد، وبذلك نشأت فكرة الإقراض مقابل فائدة، غير أن التعاليم الكنسية ـ في العصور الوسطى ـ كانت تحارب الإقراض بفائدة، وتدعو أصحاب الثروات إلى استغلالها عن طريق المشاريع الإنتاجية، أما الفائدة فأمر محرم لا تقره [2] .
(1) المعروف في المعاملات المعاصرة باسم (الشيك) .
(2) المصارف والأعمال المصرفية للدكتور غريب الجمال ص10ـ 11.