أصحاب هذا الاتجاه تأثروا كثيرًا بالظروف الاقتصادية المعاصرة، قال هؤلاء إن التطور في الظروف الحاضرة يقتضي التطور في الأحكام فلا بد من قصر التحريم في موضوع الربا على القروض التي يقصد منها الاستهلاك، أما قروض الإنتاج فلا داعي لتحريمها [1] .
والحق أن أصحاب هذا الاتجاه سايروا الواقع كثيرًا وحاولوا أن يلووا عنق النصوص لتوافق آراءهم وإلا فإنه من العسير جدًا التفريق بين قروض الإنتاج، إذ أكثر القروض وقوعًا هي التي يعقدها الأفراد مع المصارف والمنظمات المالية، فهل هذه قروض استهلاك فتحرم على رأي هؤلاء أم هي قروض إنتاج فتباح على رأيهم. إن التفريق عسير ولا مسوغ له في نظري [2] .
المطلب الثاني
(علة الربا)
اختلف أصحاب الاتجاهات الموسعة لمنطقة الربا في العلة التي يتعدى بها الحكم ليشمل غير المنصوص عليه من الأصناف الستة: ـ الذهب، الفضة، التمر، الشعير، البر، الملح ـ وطالت بينهم المناقشات والردود، ولذا سوف أعرض لعلة الربا باختصار شديد لئلا [3]
(1) ممن ذهب إلى هذا الاتجاه مالدكتور معروف الدواليبي في بحثه الذي ألقاه في مؤتمر الفقه الإسلامي المنعقد بباريس
عام 1371 هـ. نقل ذلك عنه السنهوري في مصادر الحق: ج 3 ص 533.
(2) تطالعنا الأيام بآراء غريبة في ساحة الفكر الإسلامي العريض وخصوصًا في مجال الاقتصاد، إذ هناك آراء لبعض
الباحثين تقصر الربا على الربا المضاعف، وهناك من يبيح ربا القروض، وإني لأجد نفسي في غنى عن التصريح
ببعض الأسماء، ولكني أنصح القارئ بمتابعة مجلة البنوك الإسلامية، إذ فيها ردود على كثير من الآراء المتطرفة،
انظر مثلًا مجلة البنوك الإسلامية: العدد السابع ص 58 الصادر في شهر ذي القعدة من عام 1399 م.
(3) من أراد الاطلاع على أدلة الفقهاء ومناقشاتهم حول علة الربا فليراجع المصادر التالية:
(أ) المبسوط للسرخسي: ج 12 ص 113 وما بعدها. تبيين الحقائق للزيلعي: ج 4 ص 85.
ب) شرح منح الجليل لمحمد عليش: ج 2 ص 537. جواهر الإكليل للأبي الأزهري: ج 2 ص 17.
(د) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: ج 29 ص 471 وما بعدها. أعلام الموقعين لابن القيم ج 2 ص 156 وما بعدها.