الْقِسْمَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ بَطَلَ الشَّرْطُ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فَكَذَلِكَ، وَمِنْهُ زَيْدٌ أَفْضَلُ مِنْ عَمْرٍو؛ لِأَنَّك تُرِيدُ تَفْضِيلَهُ عَلَى بَعْضٍ وَلَا يَعُمُّ، وَلَوْ كَانَتْ هُنَا لِلِابْتِدَاءِ لَاقْتَضَى ذَلِكَ انْتِهَاءَ مَا بَيْنَهُمَا. وَقَالَ: الْمُبَرِّدُ: لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ أَيْ غَايَةِ التَّفْضِيلِ؛ لِأَنَّ عَمْرًا هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي اُبْتُدِئَ مِنْهُ فَضْلُ زَيْدٍ فِي الزِّيَادَةِ، وَكَذَا قَالَ فِي التَّبْعِيضِ، وَتَبِعَهُ الْجُرْجَانِيُّ. وَقَالَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي مَاذَا مِنْ هَذِهِ الِاسْتِعْمَالَاتِ؟ عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ أَصْلَهَا ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ، وَالْبَاقِي رَاجِعٌ إلَيْهَا، وَحَكَاهُ أَبُو الْبَقَاءِ فِي"شَرْحِ الْإِيضَاحِ"عَنْ الْمُبَرِّدِ. وَمَعْنَاهُ فِي التَّبْعِيضِ أَنَّ ابْتِدَاءَ أَخْذِك كَانَ مِنْ الْمَالِ، وَقَطَعَ بِهِ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ، وَقَالَ: لَا تَنْفَكُّ"مِنْ"عَنْ ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ التَّبْعِيضُ وَبَيَانُ الْجِنْسِ بِقَرِينَةٍ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَمِنْ الْمَجَازِ. وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ صَاحِبِ"الْمُفَصَّلِ"أَيْضًا، وَحَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي"الْمَحْصُولِ"عَنْ"شَرْحِ سِيبَوَيْهِ"لِابْنِ السَّرَّاجِ.
ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنَّ كُلَّ تَبْعِيضٍ ابْتِدَاءُ غَايَةٍ، وَلَيْسَ كُلُّ ابْتِدَاءِ غَايَةٍ تَبْعِيضًا، وَجَرَى عَلَيْهِ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيّ، وَأَنْكَرَ مَجِيئَهَا لِلتَّبْعِيضِ. قَالَ: وَإِنَّمَا وُضِعَتْ لِلِابْتِدَاءِ عَكْسُ"إلَى"، وَرَدَّ بَعْضُهُمْ التَّبْيِينَ إلَى ذَلِكَ، فَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} [الحج: 30] : إنَّ الْمُرَادَ ابْتِدَاءُ اجْتِنَابِهِمْ الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ مَعْنَى الِابْتِدَاءِ مَغْمُورٌ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَغَيْرُ مَقْصُودٍ، وَفِي بَعْضِهَا لَا يَجِيءُ إلَّا بِتَمَحُّلٍ.