مِنْ الْحَنَابِلَةِ، وَكَذَا نَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ صَاحِبُ"الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ". قَالَ: لِلْمَعْنَى الَّذِي جَازَ نَسْخُهُ بَعْدَ إيجَادِهِ، وَهُوَ انْقِلَابُ الْمَصْلَحَةِ مَفْسَدَةً، وَكَذَا الْآمِدِيُّ فِي أَثْنَاءِ الِاسْتِدْلَالِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا قَبْلَ التَّمَكُّنِ لَا بَعْدَهُ. وَكَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي"الْبُرْهَانِ"مُصَرِّحٌ بِهِ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْعَبْدَرِيّ فِي"شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى"فَقَالَ: النَّسْخُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ ثَلَاثُ صُوَرٍ: إحْدَاهَا: أَنْ يَرِدَ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ مَا تَقَعُ فِيهِ الْعِبَادَةُ كُلُّهَا.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَرِدَ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ مَا يَقَعُ فِيهِ بَعْضُهَا. فَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ فِيهِمَا، لِأَنَّ شَرْطَ الْأَمْرِ حَاصِلٌ، وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْفِعْلِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَرِدَ الْأَمْرُ قَبْلَ وَقْتِهِ الْمُعْتَدِّ بِهِ ثُمَّ يُنْسَخُ قَبْلَ دُخُولِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ. اهـ.
وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى الْقَرَافِيِّ وَغَيْرِهِ حَيْثُ أَجْرَوْا خِلَافَ الْمُعْتَزِلَةِ هُنَا. نَعَمْ، الْخِلَافُ ثَابِتٌ بِنَقْلِ الْهِنْدِيِّ أَنَّ فِي بَعْضِ الْمُؤَلَّفَاتِ الْقَدِيمَةِ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَالْكَرْخِيِّ خَالَفَ فِيهِ. وَقَالَ: لَا يَجُوزُ النَّسْخُ قَبْلَ الْفِعْلِ، سَوَاءٌ مَضَى مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يَسَعُهُ أَمْ لَمْ يَمْضِ.
وَقَدْ أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا حِكَايَةَ الْخِلَافِ فِي النَّسْخِ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَهُوَ يَشْمَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ، فَقَالَ: إذَا وَرَدَ