وقوله بعد ذلك:"إنما لكل امرئ ما نوى"إخبار أنه لا يحصُل له من عمله إلا ما نواه به، فإن نوى خيرًا حصل له خير وإن نوى شرًّا حصل له شر. وليس هذا تكريرًا محضًا للجملة الأولى، فإن الجملة الأولى دلّت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده، والجملة الثانية دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة وأن عقابه عليه بحسب النية الفاسدة.
وقد تكون نيته مباحةً فيكون العمل مباحًا فلا يحصل له ثواب ولا عقاب، فالعمل في نفسه صلاحُه وفسادُه وإباحتُه بحسب نيته الحاملة عليه المقتضية لوجوده، وثواب العامل وعقابه وسلامته بحسب النية التي صار بها العمل صالحًا أو فاسدًا أو مباحًا.
واعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة، وإن كان قد فُرِّق بين هذه الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره. والنية في كلام العلماء تقع بمعنَيَين:
المعنى الأول: بمعنى تمييز العبادات بعضها عن بعض ـ كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلًا، وتمييز صيام رمضان من صيام غيره ـ أو تمييز العبادات من العادات، كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظف ونحو ذلك. وهذه النية هي التي توجد كثيرًا في كلام الفقهاء في كتبهم.
والمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل وهل هو لله وحده لا شريك له أم لله وغيره. وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي توجد كثيرًا في كلام السلف المتقدمين.
وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفًا سماه"كتاب الإخلاص والنية"وإنما أراد هذه النية، وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ تارةً بلفظ النية وتارةً بلفظ الإرادة وتارةً بفلظ مقارِب لذلك، وقد جاء ذكرها كثيرًا في كتاب الله عز وجل بغير لفظ النية أيضًا من الألفاظ المقارِبة لها.