قيل: العزم هو إرادة جازمة لفعل المعزوم عليه أو تركه، وأنتم تُوقِعون الطلاق بمجرد مُضيّ المدة وإن لم يكن منه عزمٌ لا على وطء ولا على تركه، بل لو عزم على الفيئة ولم يجامع طلَّقتم عليه بمضيّ المدة، ولم يَعزم الطلاق، فكيفما قدَّرتم فالآية حجة عليكم.
الرابع: أن الله سبحانه خيَّره في الآية بين أمرين، الفيئة أو الطلاق، والتخيير بين أمرين لا يكون إلا في حالة واحدة كالكفارات، ولو كان في حالتَين لكان ترتيبًا لا تخييرًا، وإذا تقرر هذا فالفيئةُ عندكم في نفس المدة، وعزمُ الطلاق بانقضاء المدة، فلم يقع التخيير في حالة واحدة.
فإن قيل: هو مخيَّر بين أن يفيءَ في المدة وبين أن يترك الفيئة، فيكون عازمًا للطلاق بمضيّ المدة.
قيل: ترك الفيئة لا يكون عزمًا للطلاق وإنما يكون عزمًا عندكم إذا انقضت المدة، فلا يتأتى التخيير بين عزم الطلاق وبين الفيئة ألبتة؛ فإنه بمضيّ المدة يقع الطلاق عندكم فلا يمكنه الفيئةُ، ولم يحضُر وقتُ عزم الطلاق الذي هو مضيّ المدة، وحينئذ فهذا دليل خامس مستقلّ.
السادس: أن التخيير بين أمرين يقتضي أن يكون فعلهما إليه، وصح منه اختيارُ فعلِ كلٍّ منهما وتركِه، وإلا لبَطَل حكمُ خياره، ومُضيُّ المدة ليس إليه.
السابع: أنه سبحانه قال:"وإن عزَموا الطلاقَ فإن اللهَ سميعٌ عليمٌ"فاقتضى أن يكون الطلاق قولًا يُسمَع؛ لِيَحسُنَ ختمُ الآية بصفة السمع.
الثامن: أنه لو قال لغريمه: لك أجلُ أربعة أشهر، فإن وفَّيتَني قَبِلتُ منك وإن لم تُوَفِّني حبستُك. كان مقتضاه أن الوفاء والحبس بعد المدة لا فيها، ولا يَعقل المخاطَب غير هذا.
فإن قيل: ما نحن فيه نظير قوله: لك الخيار ثلاثةَ أيام، فإن فسَختَ البيعَ وإلا لَزِمَكَ. ومعلوم أن الفسخ إنما يقع في الثلاث لا بعدها.