فلما رجع من الحج التمسوا منه أن يقيم ببغداد، فامتنع، واعتل بالأهل والوطن .... وكان جدنا عجبا في حفظ الأحاديث وسردها بلا كلفة، وحفظ مذاهب الناس" [1] ."
قال الذهبي:"كان إمامًا حجَّة بارعًا فِي الفقه والحديث، وله يد طولى فِي التفسير، ومعرفة تامة بالأصول، واطلاع على مذاهب الناس. وله ذكاء مفرط؛ ولم يكن فِي زمانه أحد مثله في مذهبه" [2] .
ولما لهذا الإمام العلامة من اطلاع واسع، ومعرفة عميقة بالفقه وأصوله، فقد اعتنى علماء الحنابلة بنقل اختياراته، وذكرها في كتبهم، والاستظهار بها فيما يختارونه، كحفيده شيخ الإسلام فكثيرا ما يذكر جده في كتبه، وكذلك تلاميذ شيخ الإسلام، كابن مفلح في"الفروع"و"النكت"، وابن رجب في"القواعد". وممن يهتم بها كثيرا المرداوي في"الإنصاف"و"تصحيح الفروع"، والزركشي في"شرح الخرقي"، وغيرهم من علماء المذهب، وهو أهل لذلك، وحقيق به، فإنه كان من العلماء المجتهدين، والفقهاء المتمكنين -كما سيتبين ذلك جليا عند سرد اختياراته-.
هذا وأرجو أن يكون من توفيق الله أن يسر لي الاشتغال بعلم هذا الإمام العالم العامل، بمحاولة جمع اختياراته الفقهية في بعض أبواب العبادات ودراستها، في رسالة الماجستير، بعنوان:
(1) تاريخ الإسلام (14/ 728) .
(2) المصدر السابق. قال الذهبي في ترجمة شهاب الدين عبد الحليم -ابن مجد الذين ووالد تقي الدين-:"وكان الشيخ الشهاب من أنْجُم الهدى، وإنّما اختفى بين نور القمر وضوء الشمس". تاريخ الإسلام (15/ 468) .