ولم يُنزِل عليّ شيئا قبلَ ذلك ، وكذلك القصةُ فِي قوله:"قيل"فِي (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)
وقوله: قيل لي: قل: (الحمدُ لله رب العالمين) ، لأنّه لم يقل فِي القصتين: ولم يَنزلْ عليّ شي لا قبل ذلك ، ولا قال فِي كل قصة: وكان ذلك أولَ شيء أُنزل على من القرآن لم يتقدمه شيء ، ولا نحوَ ذلك من الكلامِ الظاهرِ الجليّ الذي لا يحتمل غيرَ ما صَرّحَ به فيه ، فيحتمل إذا لم يقل ذلك.
وقد كان يُنادَى مراتٍ كثيرة ، ويَرى النورَ ويسمعُ الصوتَ ويَرجُفُ
لذلك ، ويتردّد ذلك عليه عندَ استفتاح النبوة ، حتى أوجب ذكرَه لخديجةَ
عليها السلامُ ولورقةَ بن نوفلَ أن يكونَ قد كانَ ابتُدِأ بأن أُنزلَ عليه
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) فِي بعض تلك المرات ، ثم نُوديَ بعد ذلك فمضى إلى خديجة ، ودُثّرَ ثم أُنزل: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) .
فيكونُ بعدَ شيء ٍ أُنزلَ قبلَه ، وكذلك خبرُ أبي ميسرةَ يَحتمِلُ أن يكونَ قيل له فِي أحد تلك المرّات: قل الحمد لله رب العالمين إلى آخرها ، بعد أن قد كان أُنزلَ عليه (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) و (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(1) .
وإذا احتَمَلَ الأمرُ ما ذكرناهُ ساغَ فيه التنازعٌ والخلافُ والاجتهادُ
وترجيحُ الظنون.
وقد كان يُسمَعُ مَن تكلم فِي ذلك من الصحابة وروى فيه ما روى تَرَكَ
الكلامَ فيه ، ولم يكن مأثوما لو ترك الكلامَ فيه ، ولم يكن ليمنعه أن لا يتلوَ
السورةَ على ترتيبِ آياتها ونظامها ، لأن ذلك من آكَدِ شيء فُرِضَ عليه
وأُلزِمَه ، وحُظِرَ عليه خلافُه على ما بيَّنَّاه من قبل ، فافترقَ الأمران فِي هذا
الباب ، وكذلك مَن تركَ من أهل عصرِنا الخوضَ فِي أول ما أُنزِلَ من القرآنِ
وعدلَ عنه لم يكن بذلك مأثوماً ولا تاركا للفرض ، وأن يُوجَبَ عليهم إذا