الْخَالِقِينَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ، وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ [المؤمنون: 12 - 17] .
ومن هذا نرى أنَّ التعريف بالإنسان من خلقه ابتداء دليل على بعثه انتهاء ، ألم تر أنَّ الله - سبحانه وتعالى - ذكر أنه خلقه علقة ومن العلقة مضغة ومن المضغة عظامًا ثم كساها لحمًا ، ثم أماتها ، ومن الطبيعي أن يكون قادرًا على الإحياء ؛ لأن الإنشاء على غير الله أصعب من الإعادة ، ولا صعوبة على الله تعالى فِي إنشاء ولا إعادة.
ومن تعريف بعض المحرمات يستبين تحريمها ، والأمر القاطع بالتحريم ، ومن ذلك قوله تعالى فِي تحريم الخمر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 90 - 92] .
ونرى من هذا أنَّ التحريم الثابت بالنصِّ ذكر أوصاف الخمر وبيان ذاتها وما يترتب عليها ؛ لمعرفة حكمة تحريمها ، فذكر تعريفها بالحدِّ والرسم ، أما التعريف بالحد فبيان ذاتها بأنها مع أخواتها من الميسر ، والذبح على النصب ، هو التعريف بالحد ، وهو ذكر الذات ، بذكر جنسها وفصلها ، وأما ذكر هذا التعريف بالرسم ، فهو ذكر ما يترتب على الشرب من وقوع العداوة والبغضاء والصد عن الصلاة وعن ذكر الله تعالى ، فهي لهو لتزجية الفراغ بما فيها الصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، والأنغمار فِي اللهو الفاسد.
2 -الاستدلال بالتجزئة:
144 -إن تذكر أجزاء الموضوع وبتتبعها يكون إثبات الدعوى ، ومن ذلك أن المقرر الثابت بالبديهة الذي لا مجال للريب فيه الحكم بأن الأثر يدل على المؤثر ، وأن الكون يدل على خالقه ، وأنَّ القوى البشرية والعقول المستقيمة تقر بأن الخالق لهذا الكون صغيره وكبيرة قوة واحدة ، وهي قوة الله - سبحانه وتعالى.
وقد كان القرآن يذكر ذلك فِي آياته الحكيمة أحيانًا مجزءًا وأحيانًا غير مجزء ، ومن الاستدلال بالتجربة قوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ، أَمَّنْ جَعَلَ