ومن ذلك قولُه تعالى حكايةً عن اليَهُود: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُون} ، دخلتْ"إِنّما"لتدلَّ على أنَّهم حين ادَّعَوا لأنفسهم أنَّهمْ مُصْلِحون، أَظهروا أنهم يدَّعون مِن ذلك أمرًا ظاهرًا معلومًا، ولذلك أكد الأمرَ في تكذيبِهم والردِّ عليهم، فجمَعَ بين"أَلاَ"الذي هو للتَّنبيه، وبين"إنَّ"الذي هو للتأكيد، فقيل: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُون} .
{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) }
وذلك لأن معنى قولهم:"إنّا معكُم": أّنا لم نؤمنْ بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم نترك اليهودية.
وقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} خبرٌ بهذا المعنى بعينه، لأنَّه لا فَرْقَ بين أن يقولوا:"إن لم نَقُل ما قُلْناه من أنَّا آمنا إلا استهزاء"، وبين أن يقولوا:"إن لم نَخْرُجْ من دينكِم وإنَّا معكم"، بل هما في حُكْم الشيء ِ الواحد، فصار كأنهم قالوا:"إنا معكم لم نفارقكم"فكما لا يكون"إنا لم نفارقْكم"شيئاً غيرَ {إِنَّا مَعَكُمْ} ، كذلك لا يكون {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} غيرَه، فاعرِفْه.
{وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) }
وممَا هو أصلٌ في هذا الباب أنَّك قد ترى الجملةَ وحالُها معَ التي قبلها حالُ ما يُعْطَفُ ويُقْرَنُ إلى ما قبلَه، ثم تراها قَدْ وجبَ فيها تركُ العطفِ، لأمرٍ عرضَ فيها صارت به أجنبية مما قبلها.