صاره يصيره ويصوره: قطّعه أو أماله.
وذكر الزمخشري: قرأ ابن عباس بضم الصاد وكسرها وتشديد الراء صرّه يُصِيّره إذا جمعه. ثم جزئهن على الجبال، ثم ادعهن ... وقال الآلوسي: قرأ حمزة ويعقوب بكسر الصاد (فصِرهن) ، والباقون بضمهما مع التخفيف (فصُرهن) من صاره يصوره ويصيره لغتان بمعنى قطعه أو أماله لأنه مشترك بينهما، وقال الفراء: الضم مشترك بين المعنيين والكسر بمعنى القطع فقط، وهو عربي، وعن عكرمة أنه نبطي، وعن قتادة أنه حبشي، وعن وهب أنه رومي و (إليك) متعلق بـ خُذ باعتبار تضمنه معنى الضم.
أقول: فصِرهن: على لغة النبطية بالكسر معناه: قطعهن ومزقهن. وعلى
بقية اللغات (فصُرهن) بالضم: اجمعهن. فعلى لغة النبطية لا يتعدى الفعل بـ (إلى)
ولا بدّ من تعليق الجار والمجرور بـ خُذ وبذلك يتضمن: (خذ إليك) معنى ازدلف إليك من الزلفى وهي القربى أي قرِّب إليك أربعة من الطير.
وفي حديث الضحية قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:"فطفقن يزدلفن إليه". والمعنى: فقرب إليك أربعة من الطير فقطعهن أو مزقهن ثم ادعهن يأتينك سعيا.
ولعل تضمين الأخذ معنى الازدلاف أولى في سياق الآية من الضم كما ذكر الآلوسي، أو التجزئة أو التقطيع كما ذكر آخرون.
(وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ...(265)
قال الآلوسي: وجوز أن تكون (مِنْ) بمعنى اللام والمعنى توطينا لأنفسهم على طاعة الله. إلى ذلك ذهب أبو علي الجبائي، وليس ببعيد.
وذكر أبو حيان: من جعل (مِنْ) بمعنى (اللام) أي لأنفسهم كما تقول: فعلت ذلك كسرا لشهوتي أي فلا يتضح فيه أن ينتصب على المفعول له. قال الشعبي: فهم يعملون لتثبيت النفس على الإيمان لأنها إذا ثبتت على صعوبة الإنفاق انقادت وذلت، وإذا كان التثبيت مسندا إليهم كانت (مِنْ) في موضع نصب متعلقة بنفس المصدر وتكون للتبعيض. مثلها: هز من عطفه وحرك من نشاطه، وإن كان التثبيت مسندا إلى أنفسهم كانت (مِنْ) في موضع نصب متعلقة بصفة محذوفة للمصدر تقديرها: كائنا من أنفسهم، والظاهر أن نفسه هي التي تثبته وتحمله على الإنفاق في سبيل اللَّه ليس له محرك إلا هي فهي الباعثة له على ذلك والمثبتة له بحسن إيمانها وجليل اعتقادها.