وَثَالِثُهَا: أَنَّ كُلَّ إِحْسَانٍ يُقْدِمُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ فَالِانْتِفَاعُ بِهِ لَا يَكْمُلُ إِلَّا بِوَاسِطَةِ إِحْسَانِ اللَّه، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَ أَنْوَاعَ النِّعْمَةِ وَإِلَّا لَمْ يَقْدِرِ الْإِنْسَانُ عَلَى إِيصَالِ تِلْكَ الْحِنْطَةِ وَالْفَوَاكِهِ إِلَى الْغَيْرِ، وَأَيْضًا فلولا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْطَاهُ الْمِزَاجَ الصَّحِيحَ وَالْبِنْيَةَ السَّلِيمَةَ وَإِلَّا لَمَا أَمْكَنَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا، فَثَبَتَ أَنَّ كُلَّ إِحْسَانٍ يَصْدُرُ عَنْ مُحْسِنٍ سِوَى اللَّه تَعَالَى، فَإِنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ لَا يَكْمُلُ إِلَّا بِوَاسِطَةِ إِحْسَانِ اللَّه تَعَالَى.
وَعِنْدَ هَذَا يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا مُحْسِنَ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّه، وَلَا مُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ إِلَّا اللَّه.
فَلِهَذَا قَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ)
وَرَابِعُهَا: أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِجَمِيعِ النِّعَمِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ الْمُنْتَفِعِ بَعْدَ كَوْنِهِ حَيًّا قَادِرًا عَالِمًا، وَنِعْمَةُ الْوُجُودِ وَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ لَيْسَتْ إِلَّا مِنَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَالتَّرْبِيَةُ الْأَصْلِيَّةُ وَالْأَرْزَاقُ الْمُخْتَلِفَةُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا مِنَ اللَّه سُبْحَانَهُ مِنْ أَوَّلِ الطُّفُولِيَّةِ إِلَى آخِرِ الْعُمُرِ.
ثُمَّ إِذَا تَأَمَّلَ الْإِنْسَانُ فِي آثَارِ حِكْمَةِ الرَّحْمَنِ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَوَصَلَ إِلَى مَا أَوْدَعَ اللَّه تَعَالَى فِي أَعْضَائِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَنَافِعِ وَالْمَصَالِحِ عَلِمَ أَنَّهَا بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها) [إِبْرَاهِيَمِ: 34] فَبِتَقْدِيرِ: أَنْ نُسَلِّمَ أَنَّ الْعَبْدَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُنْعِمَ عَلَى الْغَيْرِ إِلَّا أَنَّ نِعَمَ الْعَبْدِ كَالْقَطْرَةِ، وَنِعَمَ اللَّه لَا نِهَايَةَ لَهَا أَوَّلًا وَآخِرًا وَظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَلِهَذَا السَّبَبِ كَانَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ الْمُطْلَقِ وَالثَّنَاءِ الْمُطْلَقِ لَيْسَ إِلَّا اللَّه سُبْحَانَهُ فَلِهَذَا قَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) .