{إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (112) [المائدة: 112] الآيات فيها ذكر المائدة، وهي من معجزات عيسى - عليه السّلام - لم تذكر إلا في هذا المكان.
واعلم أن الحواريين قد [ورد الثناء عليهم] فوجب دفع ما لا يليق بحالهم عنهم، فمنه
قولهم: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} أما على قراءة الخطاب فلا إشكال؛ إذ تقديره: هل تستطيع يا عيسى أن تسأل ربك. وأما على الغائب فمعناه: هل يفعل ربك ذلك إن سألته، فعبروا عن الفعل بالاستطاعة؛ لأنها من لوازمه.
ومنه قولهم: {قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ} (113) [72 أ/م] [المائدة: 113] ظاهر في أنهم كانوا شاكين في صدقه؛ فيجاب عنه بوجوه:
أحدها: أن هذا كان عند أول متابعتهم له، ولما يرسخ الإيمان في قلوبهم، كالمؤلفة قلوبهم من مؤمني الصحابة حتى استقر إيمانهم.
والثاني: أن يكون هذا القول من بعض أتباع الحواريين، إليهم مجازا، كما ينسب إلى الرجل قول بعض حاشيته وأتباعه.
الثالث: أن يجاب عنه بمثل ما أجيب عن قول إبراهيم: {وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاِعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (260) [البقرة: 260] أي بالعيان: وإن كانت قلوبنا مطمئنة بالإيمان.