فالذي يجبر الآخرين على الإيمان بالكرباج لن يتبعه أحد، وهو نفسه غير مؤمن بما يفرضه على الناس. ولو كان مؤمنا به لما فرضه على الناس بالقسر؛ إنهم سيقبلونه عن طواعية واختيار عندما يتبيّن لهم أنه الحق المناسب لصلاح حياتهم.
ونحن نلتفت حولنا فنجد أن النظم والحكومات التي تفرض مبادئها بالسوط والقهر تتساقط تباعًا، فعندما تتخلى هذه الحكومات عن السوط والبطش فإن الشعوب تتخلى عن تلك الأفكار.
حكمة تأخير القتال فلم يأذن سبحانه بالقتال خلال فترة الدعوة المكية التي استمرت ثلاثة عشر عامًا ثم أذن به بعد الهجرة إلى المدينة؟؟؟
1 -لقد نشأ الإسلام ضعيفًا واضطهد السابقون إليه كل أنواع الاضطهاد، وعذبوا وأخرجوا من
ديارهم ومن أموالهم ومن أهلهم ... في سبيل دينهم.
لقد كانت فترة الضعف التي مرت بالإسلام أولا فترة مقصودة أراد بها الله أن يمحص ويختبر .. ، وألا يدخل هذا الدين إلا من يتحمل متاعب هذا الدين ومشاقه لأنه سيكون مأمونًا على مجد أمة، وعلى منهج سماء، وسيكون قدوة وأسوة حسنة ... وتلك أمور لا يصلح لها أي واحد من الناس.
2 -لأن الحق سبحانه وتعالى علم أن الدعوة للإسلام ستدخل البيوت العربية، فسيضم البيت الواحد كافرًا بالله ومؤمنًا بالله، ولو أنه سبحانه وتعالى شرع القتال من البداية
لصار في كل بيت معركة.
3 -ثم إن الحق سبحانه وتعالى يعلم أن تلك القبائل العربية كان بها كثير من خفة وطيش وسفه؛ وكانوا يقتتلون لأتفه الأسباب؛ فمن أجل ناقة ضربها كليب بسهم في ضرعها فماتت اشتعلت الحرب أربعين سنة.
فالحمية الرعناء تدفعهم للقتال بلا سبب. وفي مقابل ذلك كانت عندهم نخوة للحق، فعندما يرون شخصا قد ظلمه غيره؛ تأخذهم النخوة، ويأخذون على يد الظالم.
وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يهيج فيهم النخوة حين يرون الضعاف من المسلمين مستضعفين، وقد عزلهم بعض من القوم في شعب أبي طالب وجوعوهم وقاطعوهم حتى اجتمع الخمسة العظام في مكة وقالوا:"كيف نقبل أن نأكل ونشرب ونأتي نساءنا وبنو هاشم وبنو المطلب محصورون في الشعب لا يأكلون ولا يشربون ولا يتبايعون".
لقد كانوا كفارًا، وبرغم ذلك وقفوا موقفًا عظيمًا وقالوا: هاتوا الصحيفة التي تعاهدنا فيها على أن نقاطع بني هاشم وبني المطلب ونقطعها؛ واتفقوا على ذلك.
ويعلم الحق سبحانه وتعالى أن نقل أمة العرب مما اعتادته ليس أمرًا سهلًا، لذلك أخذهم برفق الهَوَادة.