آل عمران 67
ونحن نفهم أن كلمة {حَنِيفًا} تعني الدين الصافي القادم من الله.
والكلمة مأخوذة من الحنف: هو العوج وميل في أسفل الساقين.
وهنا يتساءل الإنسان، هل كان إبراهيم عليه السلام في العوج أو في الاستقامة؟ وكيف يكون حنيفًا، والحنف عوج؟
هنا نقول: إن إبراهيم عليه السلام كان على الاستقامة، ولكنه جاء على وثنية واعوجاج وهو خرج عن هذا العوج، وما دام منحرفًا عن العوج فهو مستقيم.
فالرسل لا يأتون إلا على فساد عقدي، افتقد وقتها الإنسان إلى الرادع من ذاتية النفس، وافتقد الرادع من المجتمع حوله فعمّ الظلام.
وبما أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا نبي بعده، فلن تخلو أمة محمد في أي عصر من العصور من الخير. فالخير باقي في الذات المسلمة، فإذا كانت الغفلة فالنفس اللوامة تصوّب، وإن كانت هناك نفس أمارة بالسوء فهناك قوم كثيرون مطمئنون يهدون النفس الأمارة إلى الصواب.
قد يقول قائل: ولماذا لم يقل الله:"إن إبراهيم كان مستقيمًا"ولماذا جاء بكلمة حنيفًا التي تدل على العوج؟
ونقول: لو قال:"مستقيمًا"لظن بعض الناس أنه كان على طريقة أهل زمانه وقد كانوا في عوج وضلال.
-وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين: فهل أهل الكتاب مشركون؟ نعم؛ لأنهم حين يؤمنون بالبنوة لعزير، ويؤمنون بالنبوة لعيسى فهذا إشراك بالله، وأيضًا كان العرب عبدة الأصنام يقولون: إنّهم على ملّة إبراهيم؛ لأن شعائر الحج جاء بها إبراهيم عليه السلام، ولهذا ينزّه الحقّ سيدنا إبراهيم عن ذلك، ويقول: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وذلك يدل على أن ملّة إبراهيم وما جاء به موافقة لملة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به.
72 -(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ
إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ... )آل عمران 75
فإذا كان الحق قد كشف للرسول بعضًا من مكر أهل الكتاب فذلك لا يعني أن هناك حملة على أهل الكتاب وكأنهم كلهم أهل سوء، لا، بل منهم مَنْ يتميز بالأمانة، وهذا القول إنما يؤكد إنصاف الإله المنصف العدل.
إن الحق سبحانه يخاطب النفوس التي يعلمها، ويخاطب العالم كله بما فيه من أهل