والرسول حين يطلب المودة في القربى فهل هي قُرباه صلى الله عليه وسلم أو المودة في قُرباكم؟ هي القُربى على إطلاقها، وهي القُربى أيضا للمتكلم وهو الرسول الذي يبلغ عن الله.
وإن صُنِّفت على أنها القربى للمتكلم وهو سيدنا رسول الله لما استطعنا أن نُوفيه أجرًا. أما حين يتحمل كل واحد منا مجالًا من الخير والمعروف في قومه، هنا تتلاحم دوائر الخير في الناس جميعًا.
138 - (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ)
الأنعام 120
إن فساد المجتمع يأتي من أشياء كثيرة لا تقع تحت دائرة الإِدراكات. وهناك أشياء تكون في منابع النفس البشرية التي تصدر عنها عوامل النزوع؛ فقبل أن يوجد إثم ظاهر يوجد إثم باطن. والتقنينات البشرية كلها تحمينا من ظاهر الإِثم كأن يمنع الناس من أن يتظاهروا بالجريمة ويقترفوها علانية، ولكن منهج السماء يحمينا من فساد ظاهر الإِثم وباطن الإثِم.
فسبحانه رقيب على مواجيدكم وسرائركم، فإياكم أن تفعلوا باطن الإِثم.
ساعة ترى واحدًا يظلم في الكون فإننا نجد ظالمًا آخر هو الذي يؤدب الظالم الأول.
ولا يؤدب الله الشرير على يد رجل طيب، لأن أهل الخير قلوبهم مملوءة بالرحمة لا يقوون على أن يؤدبوا الظالم؛ فهم قد ورثوا النبوة المحمدية في قوله يوم فتح مكة:"اذهبوا فأنتم الطلقاء"إنه سبحانه بتكريمه لأهل الخير يجعلهم في موقف المتفرج على تأديب الظالمين بعضهم بعضًا.
ويكون التأديب عن طريق شرير مثله، والتاريخ أرانا ذلك. فقد صنع الظالمون بعضهم في بعض الكثير.
ولا يظن الطاغية أو الحاكم أو المستبد أنه أخذ الحكم بذكائه أو بقوته، بل جاء به الحق ليؤدب به الظلمة، بدليل أنه ساعة يريد الله أن تنتهي هذه المسألة فهو بجلاله ينزع المهابة من قلوب حرّاسه وبدلًا من أن يدفع عنه البندقية، يصوّب البندقية إليه.
فإياكم أن تظنوا أن ملكا يأخذ الملك قهرًا عن الله، ولكن إذا العباد ظلموا وطغوا يسلط الحق عليهم من يظلمهم، ولذلك يقال:"الظالم سيف الله في الأرض ينتقم به وينتقم منه". فكأن ما سلّط على الناس من شرّ عاتٍ هو نتيجة لأعمالهم؛ ولذلك كان أحد الصالحين يقول: أنا اعرف منزلتي من ربي من خُلُق دابتي؛ إن جمحت بي أقول ماذا صَنَعْتُ حتى