تدل على أن الله قد حكم بأن عرفات ستمتلئ امتلاء، وكل من يخرج منها كأنه فائض عن العدد المحدد لها. وهذا حكم من الله في الحج. وأنت إذا ما شهدت المشهد إن شاء الله سترى هذه المسألة، فكأن إناءً قد امتلأ، وذلك يفيض منه. ولا تدري من أين يأتي الحجيج ولا إلى أين يذهبون. ومن ينظر من يطوفون بالبيت يظن أنهم كتل بشرية، وكذلك إذا فاض الحجيج في مساء يوم عرفة يخيل إليك عندما تنظر إليهم أنه لا فارق بينهم.
أي إذا فرغتم من مناسككم، والمناسك هي الأماكن لعبادة ما.
{فَاذْكُرُوا اللَّهَ} أي فلا يزال ذكر الله دائما واردًا في الآيات، كأنك حين توفق إلى أداء شيء إياك أن تغتر، بل اذكر ربك الذي شرع لك ثم وفقك وأعانك. وكأن الحق يريد أن يضع نهاية لما تعودت عليه العرب في ذلك الزمان فقديمًا كانوا يحجون، فإذا ما اجتمعت القبائل في منى، كانت كل قبيلة تقف بشاعرها أو بخطيبها ليعدد مآثره ومآثر آبائه، وما كان لهم من مفاخر في الجاهلية ويحملون الديات، ويطعمون الطعام ... غير ذلك من العادات.
-فأراد الله سبحانه وتعالى أن ينهي فيهم هذه العادة التي هي التفاخر بالآباء ليجعل الفخر ذاتيًا في نفس المؤمن، أي فخرًا من عمل جليل نابع من الشخص نفسه.
-كما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يردهم في كل شيء إلى ذاته، فإن ذكرتم آباءكم لما قدموه من خير، فاذكروا من أمدهم بذلك الخير. فذكركم لله سيصلكم بالمدد منه، ويعطيكم المعونة لتكونوا أهلا لقيادة حركة الحياة في الأرض، فتوطدوا فيها الأمن والسلام والرحمة والعدل، وهذا هو ما يجب أن يكون مجالا للفخر.
39 - (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ)
البقرة 205
تَوَلَّى أي رجع أو تولى ولاية، فالأرض كانت بدون تدخل البشر مخلوقة على هيئة الصلاح، والفساد أمر طارئ من البشر.
لماذا اشتكينا أزمة قوت ولم نشتك أزمة هواء؟ لأن الهواء لا تدخل للإنسان فيه، لقد تدخلنا قليلًا في المياه فجاء في ذلك فساد، فلم نحسن نقلها في مواسير جيدة فوصلت لنا ملوثة، أو زاد عليها الكلور أو نقص.
إذن على مقدار وجود الإنسان في حركة الحياة غير المُرشّدة بالإيمان بالله ينشأ الفساد، ولذلك كان لابد له من منهج سماوي للإنسان يقول له: افعل هذا ولا تفعل تلك. فإن