فعليك أنْ تسموَ بغاياتك، لا إلى الجنة بل إلى لقاء ربها وخالقها والمنعِم بها عليك.
فلا تنشغل بالنعمة عن المنعم.
فالمؤمن يرجو لقاء ربّه، يريده لذاته ليس طمعًا بعطاءاته.
وفي الحديث القدسي: (أولم أخلق جنة ونارًا أما كنت أهلًا أن أُعبَد)
وقيل عن رابعة العدوية أنها قالت: اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك طمعًا في جنتك فاحرمني منها وإن كنت تعلم أني أعبدك خوفًا من نارك فادخلني فيها أنا أعبدك لأنك تستحق أن تُعبَد.
201 - {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} مريم 30 - 33
ولم يتكلم عيسى ابن مريم وهو في المهد إلا بما قاله الحق في القرآن الكريم قال عيسى عليه السلام في المهد هذه الكلمات ليبرّئ أمه الصدِّيقة، ذلك أنّهم اتهموها في أعز شيء لديها، ولذلك لم يكن ليجدي أي كلام منها. وإنقاذًا لها أبلغها الحق أن تقول:
{إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} مريم 26
مادة: سمع. منها: سمع واستمع وتسمَّع.
فكلمة سمع: أي مصادفة فأنت تسير في الطريق تسمع كل ما يصل إلى أذنك منه ما يُهمك وما لا يهمك، ليس لك خيار في ذلك، لأنه ليس على الأذن حجاب يمنع السمع كالجفْنِ للعين حين ترى منظرًا لا تحبه ممكن أن تغمض.
إنما: استمع أنْ تتكلَّف السماع، والمتكلم حُر في أنْ يتكلم أو لا يتكلم.
وتسمَّع. أي: تكلّف أشدّ تكلّفًا لكي يسمع.
لذلك؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم حين يخبر أنه ستُعم بلوى الغِنَاء، وستنتشر الأجهزة التي ستشيع هذه البلوى، وتصبها في كل الآذان رَغْمًا عنها يقول:
"مَنْ تسمَّع إلى قَيْنة صب الآنك في أذنيه"أي: تكلَّف أنْ يسمع، وتعمَّد أن يوجه جهاز الراديو أو التلفاز إلى الغناء، ولم يقُل: سمع، وإلاّ فالجميع يناله من هذا الشر رَغْمًا عنه.
وهنا قال تعالى: (فَاسْتَمِعْ) أي: عليك أنْ تُجنِّد كل الحواسّ لكي تسمع، وتستحضر قلبك لتعي ما تسمعه، وتنفذ ما طلب منك؛ لذلك حين تخاطب صاحبك فتجده مُنْشغِلًا عنك تقول: كأنك لست معنا. لماذا؟ لأن جارحة من جوارحه شردتْ، فشغلتْه عن السماع.