{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} الحجر 21
وساعة يرى الحق أن يظهر ميلاد سر ما، فهو يهيء الأسباب لذلك.
إذن خزائن الحق، إما خزائن حافظة حتى يحين وقتها، وإما محولة كالشيء الذي يدور في غيره ويرجع إلى الأصل فكمية المياه مثلا لم تنقص في الكون ولم تزد.
ومن رحمة الحق بالخلق أنه لم يملك خزائن الأرض أو السماوات لأحد من البشر حتى لا يستعلي إنسان على آخر. ولم يعط الحق حتى للرسل أي حق للتصرف في هذه الخزائن؛ لأن الرسل بشر، وقد احتفظ الحق لنفسه بخزائن الأرض والسموات ليطمئننا على هذه الخزائن. فيقول الحق سبحانه: {قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا} الإسراء 100
الحق سبحانه يعلم أن الإنسان مطبوع على الحرص الشديد أو البخل، وهو سبحانه الغني الكريم؛ لذلك ينزل ما يشاء من خزائنه لعباده حتى ينتفعوا.
وكلمة"قادر"تعني تمام التمكن وأنه لا قدرة ولا حيلة لأحد حيال قدرة الله؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يملي للقوم الظالمين ويمد لهم الأمر ثم يأخذهم بغتة بالعذاب.
وقد يأتي العذاب حسيًا: من فوقهم كما جاء لقوم أبرهة، وهناك من أخذهم الحق بالصيحة، وهناك من أهلكتهم بريح صرصر عاتية، وكل ذلك عذاب جاء من فوق تلك الأقوام.
أما قارون فقد خسف الله به وبداره الأرض، وكذلك قوم فرعون أغرقتهم المياه، وهذه هي التحتية.
وقد يأتي العذاب أيضًا من فوقيّة أو تحتيّة معنوية، ومثال ذلك العذاب الذي يسلطه الله
على الطغاة الكبار المستبدين، حيث يأتي العذاب من الفئات الفقيرة التي تعيش أسفل
السلم الاجتماعي.
والمقصود ب: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا} أي أن كل جماعة منكم تتفرق ويكون لكل منهم أمير، وتختلط الأمور بين الاختلافات المذهبية التي تختفي وراء الأهواء، وبذلك يذيق الله الناس بأس بعضهم بعضًا.
ولماذا كل ذلك؟ لأن الناس ما دامت فد انفرطت عن منهج الله نجد الحق يترك بعضهم لبعض ويتولى كل قوم إذاقة غيرهم العذاب ويصير كل بعض من الناس ظالمًا للبعض الآخر. وعندما نرى الناس تشكو، نعلم أن الناس كلها مذنبة، ولن يرتاحوا إلا إذا عادوا إلى أحضان منهج الله؛ لأن منهج الله يمنع أن يتكبر مؤمن على أخيه المؤمن. والكل يسجد لإله واحد.