ولكنهم يُعلِنون عن أنفسهم بالنار ليراها مَنْ يسير في الطريق ليهتدي إليهم.
وكلنا قرأنا ما قال حاتم الطائي للعبد الذي يخدمه:
أَوْقِد النارَ فإنَّ الليْلَ لَيْل قُرّ والريحُ يَا غُلامُ ريحُ صِرّ إنْ جلبت لنَا ضَيْفًا فأنت حُر.
السبيل هو الطريق؛ والقَصْد هو الغاية، ونقول (طريق قاصد) أي: لا دورانَ فيه ولا التفاف.
والحق سبحانه يريد لنا أنْ نصلَ إلى الغاية بأقلِّ مجهود.
فيضع لنا طريقًا مستقيمًا لا عِوجَ فيه؛ وهو الحق سبحانه القائل: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ليصل المؤمن إلى قَصْده، وهو عبادة الله وُصولًا إلى الغاية، وهي الجنة.
هكذا فالطريق المرسوم غايتُه موضوعة من الله سبحانه، والطريق إلى تلك الغاية موزونٌ من الحق، وهكذا .. فعلى المُفكِّرين ألاَّ يُرهِقوا أنفسهم بمحاولة وَضْع تقنين من عندهم لحركة الحياة، لأن واجدَ الحياة قد وضع لها قانون صيانتها.
(وَمِنْهَا جَآئِرٌ) أي من السبل ما يُطِيل المسافة عليك، أو يُعرِّضك للمخاطر.
أما الإنسان فقد خلق الله له قدرة الاختيار، ليعلم مَنْ يأتيه طائعًا مُحبًا، يُثبِت له المحبوبية التي هي مراد الحق من خَلْق الاختيار، لكن لو شاء أنْ يُثبِتَ لنفسه طلاقة القَهْر لخَلقَ البشر مقهورين على الطاعة كما سخَّر الكائنات الأخرى.
والحق سبحانه يريد قلوبًا لا قوالب؛ لذلك يقول في آخر الآية: (وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)
(وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ... ) النحل 9
ما وجه الترابط بين الآيتين؟
نقول والله أعلم: كما أن وسائل المواصلات اختصرت لنا الطرقات البعيدة، فخفف هذا التطور على الإنسان مشقة السفر وحمل الأمتعة والتنقل وكل هذا نعمة وفضل من الله، كذلك فضل الله علينا وأعطانا الطريق السهل المختصر المستقيم، والوسيلة التي تخفف علينا أوزار وأعباء سفرنا في الحياة الدنيا، ليوصلنا للغاية المطلوبة وهي لقائه والجنة.
وكما أننا مع مواكبة التطور لن نترك الآن الطائرة لنسافر على الجمل فكيف لنا أن نترك طريقه المستقيم ونبتعد عن الله باتباع أهواء وشهوات تطيل علينا الطريق ...
إذن: الله اختصر لك الوقت والجهد وأعطاك طريق مستقيم لا اعوجاج فيه فكلما ضللت أو أخطأت الوسيلة بعدت المسافة عليك ولربما ينتهي الوقت فلا تصل لغايتك.
ملاحظة: هذه الفكرة ليست من خواطر الشعراوي