فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 149

وساعة ينادي الله {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فهذا النداء معناه: أنا لم أكلفكم اقتحامًا على إرادتكم؛ أو على اختياركم، وإنما كلفتكم لأنكم دخلتم إلى من باب الإيمان بي، ومادمتم قد آمنتم بي فاسمعوا مني التكليف.

فالله لم يكلف من لم يؤمن به، فإيمانك به جعلك شريكًا في العقد، فإن كتب عليك شيئًا فأنت شريك في الكتابة، لأنك لو لم تؤمن لما كتب، فكأن الصفقة انعقدت.

عندما يقول الله: {كُتب} بضم الكاف. فهي للأمور التي للإنسان دخل فيها.

أما"كَتب"بفتح الكاف. فهي للأمور التي لا دخل للإنسان فيها.

كقوله تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} المجادلة: 21

(قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) التوبة 51 إنه سبحانه هنا الذي كتب.

ما أسمى هذا الدّين فهو ليس دين حقد ولا ثأر ولا تصفية حسابات، فإذا كان الدم يغلي في مواجهة الكفر، فإن إيمان الكافر بالإسلام يعطيه السلامة، هذا هو الدين.

ولذلك نرى عمر بن الخطاب وقد مر على قاتل أخيه زيد بن الخطاب: وأشار رجل وقال: هذا قاتل زيد. فقال عمر: وماذا أصنع به وقد أسلم؟ لقد عصم الإسلام دمه.

فالإيمان بالله أعز على المؤمن من دمه ومن نفسه وحين يؤمن فقد انتهت الخصومة. وهذا وحشي قاتل حمزة، يقابله صلى الله عليه وسلم وكل ما يصنعه هو أن يزوي وجهه عنه، لكنه لا يقتله ولا يثأر منه. وهند زوجة أبي سفيان التي أكلت كبد حمزة، أسلمت وانتهت فعلتها بإسلامها.

نشاهد بعضًا من روائع الأداء البياني في القرآن؛ ففي الجملة الواحدة تعطيك الشيء ومقابل الشيء، وهذا أمر لا نجده في أساليب البشر؛ فالحق في هذه الآية يقول لنا:

(وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي أنفقوا في الجهاد، والإعداد لسبيل الله، كصناعة الأسلحة أو الإمدادات التموينية، أو تجهيز مبانٍ وحصون، هذه أوجه أنفاق المال ... ويقول: (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) . وكلمة"ألقى"تفيد أن هناك شيئا عاليًا وشيئًا أسفل منه، فكأن الله يقول: لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، وهل سيلقي الواحد منا نفسه إلى التهلكة، أو أن يلقي نفسه في التهلكة بين عدوه؟ لا، إن اليد المغلولة عن الإنفاق في سبيل الله هي التي تُلقي بصاحبها إلى التهلكة؛ لأنه إن امتنع عن ذلك اجترأ العدو عليه، وما دام العدو قد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت